الخطبة
« قَالَ : فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا » .
« فَقَالَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : أَمَا واللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : أَهكَذَا « 1 » تَصْنَعُ
الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا » .
« فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ ! » .
« فَقَالَ عليه السلام : وَيْحَكَ ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَل وَقْتاً لَايَعْدُوهُ ، وسَبَباً لَايَتَجَاوَزُهُ » .
ثم أضاف الإمام عليه السلام :
« فَمَهْلًا ! لَاتَعُدْ لِمِثْلِهَا ، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ ! » .
وهنا يرد هذا السؤال : لم كانت عاقبة همام تلك الصعقة بينما لم تحدّث للإمام عليه السلام الذي ساق هذا الكلام ؟
لابدّ من الالتفات في الجواب عن هذا السؤال إلى نقطة مهمّة وهي أنّ همام وإن كان رجلًا عابداً وزاهداً كما ورد في مستهل الخطبة
« كانَ رَجُلا عابِداً »
وقلبه يفيض حكمة ومعرفة وروحه مفعمة بالصفاء والنقاء ( كما يتجلى ذلك من سؤاله ) ولكن مهما كانت روحه ساميّة لا يمكن مقارنتها بروح أمير المؤمنين عليه السلام التي تمثّل بحراً من السمّو والكمال ، ومن هنا لم يسع قلب همام تحمل كلّ تلك المفاهيم والمعارف ، وهل يمكن سكب البحر في جدول صغير ؟ وعليه فليس من العجب أن يصعق همام صعقة تكون نفسه فيها ويفارق الدنيا .
فقد ورد في القرآن الكريم بشأن قصة موسى وبني إسرائيل وتجلي النور الإلهي للجبل : « فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً » « 2 » .
فلم يقتصر الأمر على عدم تحمل موسى ، بل إنهار ذلك الجبل بعظمته .
نعم ! فالمواعظ التي تنطلق من القلب تستقر هكذا في القلب ، والمهم أن يكون الإنسان من ذوي
« الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ »
وإلّا فالعتاة من الأفراد من ذوي القلوب
هامش
( 1 ) . جاءت في النسخة علامة الاستفهام على رأس « هكذا » ؛ لكنها لم تذكر في الكثير من النسخ القديمة وشرحنهج البلاغة وهو الأنسب .
( 2 ) . سورة الأعراف ، الآية 143 .