طبعاً تقسيم المعيشة لا يعني وصول كلّ شيء للإنسان في داره دون سعي ومثابرة ، ولكن الرزق يأتي بالسعي والجهد فقد خلق اللَّه جميع الموارد ودعى الجميع للسعي والعمل ، وهكذا المقامات الظاهريّة التي أفاضها اللَّه على العباد لا تتحصل هي الأخرى دون السعي والجد والاجتهاد .
جدير ذكره أننا أن شاهدنا موت البعض في العصر الراهن بسبب الجوع ، فذلك ليس معلولًا لشحة المواد وقلتها ، بل يعزى ذلك إلى ظلم وجور الطبقة الأنانيّة النفعيّة المستغلة ، فلو كان هنالك تقسيم عادل في الأرزاق لما جاع أحد حتى في ظلّ أصعب السنين قحطاً .
ولم يوفّر اللَّه تعالى الرزق للإنسان فحسب دون الكائنات ، بل وفر ذلك بصورة مذهلة لجميع الأحياء والحيوانات ، فلم يغفل عن نطفة في جنين ولا يرقة في بيضة طائر أو بذرة نبات ووفّر للجميع ما يحتاجون إليه ، وتبدو قصّة تقسيم الأرزاق في مختلف أساليبها وطرقها لمن القصص العجيبة التي ينبغي أن تؤلف فيها الكتب .
ثم خاض عليه السلام في بيان السجايا البارزة للمتّقين فاستهلها بثلاث صفات بارزة وقال :
« فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ ، ومَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ ، ومَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ » .
العبارة :
« مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ »
إشارة إلى الخطوة الأُولى في تهذيب الإنسان وتربيته والتي تتمثل في صون لسانه ومنطقه ؛ اللسان الذي تصدر بواسطته الكبائر ، كما تحقق بواسطته أفضل العبادات ، فإنّ صلح صلح كلّ ما في الإنسان وإن فسد فسد كلّ شيء فيه .
ولمفردة
« صواب »
، هنا مفهوم غاية في السعة يشمل كلّ كلمة حقّ وحكمة ، نعم فالمتقون ينبرون قبل كلّ شيء لصون ألسنتهم ومنطقهم ، ومن هنا يعتقد أصحاب السير والسلوك أنّ صون اللسان يعد الخطوة الأُولى في إصلاح الذات ، ذلك لأنّ صلاحه يعني صلاح سائر الأعضاء ، قال تعالى في كتابه العزيز : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نفحات الولاية — صفحة 405
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٠٥