ثم قال لمزيد من الايضاح :
« وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّني الَى صَدْرِهِ ، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ ، ويُمِسُّنِي جَسَدَهُ ، ويُشِمُّنِي عَرْفَهُ « 1 » . وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيءَ ثُمَّ
يُلْقِمُنِيهِ » .
فالعبارة تفيد أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يفرق قط بينه وبين ولده ، وقد احتضن الإمام عليه السلام منذ كان صغيراً وأفاض عليه من أخلاقه الساميّة وغمره بالحبّ والحنان ، وأضاف عليه السلام :
« ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْل ، وَلَا خَطْلَةً « 2 » فِي فِعْل » .
إشارة إلى أنّه تربى في حضن النّبي صلى الله عليه وآله بحيث كان بمنتهى الصدق والإخلاص في القول والفعل والسير على الحقّ دون أدنى انحراف .
ثم تطرق عليه السلام إلى بيان هذه النقطة وهي : إنّي إن اتبعت النّبي صلى الله عليه وآله قبل البعثة واعتز بتلك الفترة وافتخر بتلك الفرصة ، فذلك لأنّ النّبي صلى الله عليه وآله كان يتمتع منذ نعومة أظفاره بهدى اللَّه والطافه فقال :
« ولَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً « 3 »
أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ ، لَيْلَهُ ونَهَارَهُ . ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ « 4 » أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلَاقِهِ
عَلَماً ، ويَأْمُرُنِي بِالْاقْتِدَاءِ بِهِ » .
أي أنّ رعاية النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله لي لم تكن مقتصرة على الجوانب الظاهريّة فحسب ، بل كان يعلمني كلّ يوم درساً في الأخلاق والكمال والفضيلة وكنت أعي ذلك .
وتشير العبارة
« علماً »
إلى العلامات التي كانت توضع سابقاً على الطرق في الصحارى حتى يهتدي بها المسافرون في مسيرتهم فلا يضلون الطريق فيتجهون بكلّ ثقة إلى مقصدهم ، وقد كانت لعلي عليه السلام هذه الهداية إلى الحقّ .
هامش
( 1 ) . « عرف » بمعنى الرائحة الزكية .
( 2 ) . « خطلة » من مادة « خطل » على وزن « خطر » بمعنى الخطأ الذي ينشأ عن عدم الرؤية .
( 3 ) . « فطيم » من « فطام » معروفة .
( 4 ) . « فصيل » ولد الناقة الفطيم .