فقد أشار الإمام عليه السلام في الواقع إلى نعمتين عظيمتين تعدان مصدراً لنعم جمّة أخرى ؛ النعمة الأُولى أنواع الثياب التي تحفظ البدن من الحرارة والبرودة ومختلف المخاطر ، وتضفي على الإنسان الوقار والهيبة والاحترام وتميّزه عن الحيوانات .
والنعمة الأخرى المعاش ، أي أنواع الرزق التي يحتاجها الإنسان في حياته ، وللمعاش من مادة معيشة مفهوم واسع يشمل الطعام والماء والهواء والدواء والسكن ، وجميع مواهب الحياة ولا يبدو صحيحاً ما تصوره البعض من أنّه يقتصر على الماء والغذاء ، ورغم أنّ هذا المفهوم عام إلّاأنّه يشمل أنواع الألبسة الفاخرة ، ولكن ممكن ذكر ذلك بالخصوص بسبب أهميّته الفائقة في حياة الإنسان .
وبما أنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة فقد خاض الإمام عليه السلام في تقلب أحوال الدنيا وزوالها ثم ركز على مصداق واضح فقال عليه السلام :
« فَلَو أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً ، أَو لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلا ، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ والْانْسِ ، مَعَ النُّبُوَّةِ وعَظِيمِ الزُّلْفَةِ « 1 » » .
نعم فسليمان عليه السلام مع ما كان له من جلال وجبروت وقدرة وعزّة وكر وفر لم يستطع الحيلولة دون الموت ليغادر الدنيا في الأجل المعين دون أدنى تأخير أو تريث ، ومن هنا واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا :
« فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ ، واسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ ، رَمَتْهُ قِسِيُّ « 2 » الْفَنَاءِ بِنِبَالِ « 3 » الْمَوْتِ ، وأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً ، والْمَسَاكِنُ
مُعَطَّلَةً ، ووَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ » .
يا له من تشبيه رائع ! فقد شبّه الإمام عليه السلام قانون الفناء بالنبال التي تحمل الموت ! وقد صوبت هذه النبال نحو الجميع لتنتظر آخر لقمة طعام يتناولونها وآخر دقيقة عمر يقضونها لتصوب نحوهم سهام الموت فتصيب أهدافها ، سواء كان هذا الهدف
هامش
( 1 ) . « زلفة » و « زلفى » بمعنى القرب والمنزلة .
( 2 ) . « قسي » جمع ( قوس ) .
( 3 ) . « نبال » جمع « نبل » بمعنى السهم .