إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ » « 1 » والحال إنّ الآية الشريفة نازلة بشأن قوم سبأ لا بشأن جميع الناس وإلّا فالمؤمنون ليسوا بقلّة في أمم الأنبياء .
ورجّحت طائفة من شرّاح نهج البلاغة النسخة الأخرى التي لا تتضمن كلمة « غير » وبصيغة :
« رَجْماً بِظَنِّ مُصِيب »
لأنّهم قالوا إنّ ظن الشيطان بشأن الناس مطابق للواقع حيث لم ينج من وساوسه سوى قلّة قليلة من الناس وهذا ما صرح به القرآن الكريم إذ قال : « وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ » « 2 » وقال في موضع آخر : « الَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ » « 3 » .
أضف إلى ذلك بأنّها أكثر انسجاما مع العبارة التالية في هذه الخطبة التي قال فيها :
« صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ ، وإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ ، وفُرْسَانُ الْكِبْرِ والْجَاهِلِيَّةِ » .
فالعبارة :
« أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ »
كناية عن أنّهم عجنوا بالكبر على درجة وكأنّهم أصبحوا أبناءه كما أنّ التعبير إخوان العصبيّة كناية عن علاقتهم الوثيقة بالعصبيات القبليّة والقوميّة وما شابه ذلك .
والعبارة
« وفُرْسَانُ الْكِبْرِ والْجَاهِلِيَّةِ »
كناية عن أنّهم بلغوا درجة من الكبر والجهل والغرور وكأنّهم اعتلوا مركباً من الجهل والكبر اندفعوا به إلى الأمام .
ثم قال الإمام عليه السلام :
« حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ « 4 » مِنْكُمْ ، واسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّة « 5 »
مِنْهُ فِيكُمْ ، فَنَجَمَتِ « 6 » الْحالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيِّ إِلَى الأَمْرِ الْجَلِيِّ . اسْتَفْحَلَ « 7 » سُلْطَانُهُ
هامش
( 1 ) . سورة سبأ ، الآية 20 .
( 2 ) . سورة سبأ ، الآية 13 .
( 3 ) . سورة ص ، الآية 24 .
( 4 ) . « جامحة » بمعنى الحيوان الجامح . من « جموح » على وزن « فتوح » .
( 5 ) . « الطماعية » ، « طماعية » و « طمع » بمعنى واحد .
( 6 ) . « نجمت » من « نجوم » بمعنى ظهرت كما يطلق على النبات بدون ساق لأنّه يظهر من الأرض ويطلق علىالنجوم لأنّها تظهر في السماء .
( 7 ) . « استفحل » من مادة « استفحال » ومن « فَحْل » على وزن « نخل » بمعنى العظيم البارز و « استفحال » الثقيل والمتعب .