وَلَجَهَا . فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا « 1 » ، وأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا » .
نعم ، فالإمام عليه السلام حين يتكهن بحوادث المستقبل المريرة وظلمات الفتن يشير إلى سبيل النجاة فيقول : إنّكم إنّما تنجون من شر الأشرار والفتن التي يثيرها المفسدون إن سمعتم ما أقول لكم وحفظتموه وفكرتم فيه كما ينبغي .
وقد شبّه الإمام عليه السلام نفسه هنا بالسراج المنير في أمواج الظلمة ثم أمر الناس بالاستضاءة بنور هذا السراج ، فقد أمر أولًا بسماع كلامه وحفظه ثم أردفه بالأمر للتعمق به وإدراك حقيقته ( وهذا هو الفارق بين مفهوم العبارة
« فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا »
، والعبارة
« وأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا »
حيث الأولى سماع وإدراك وحفظ والأخرى دقّة وتعمق ) .
تأمّل
الانسحاب من الفتن
أحياناً تظهر في المجتمعات البشريّة بعض الفتن التي لا يقوى الأفراد المؤمنون على مواجهتها ، كما لا يستطيعون تشكيل خلية للوقوف بوجهها وليس للأفراد الذين يقفون مباشرة إزاء هذه الفتن ويقتحمونها من مصير سوى الهزيمة والانكسار .
فأفضل سبيل في ظلّ هذه الظروف هو الانسحاب من أمام سيول الفتنة والتربص بالفرصة المناسبة بغية مواجهتها ، وبالطبع فإنّ الاجراءات المتهورة لا تنطوي على نتيجة سوى التضحية بالطاقات والقضاء على الفرص المستقبلية ، وهذه هي فلسفة النهي عن النهضات في عصر أئمّة العصمة عليهم السلام وهذا في الواقع فرع من فروع التقية التي تهدف إلى حفظ القوى واستغلالها في الوقت المناسب .
فقد أكّد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة على هذه النقطة وأكّد عليها مع أنّه أشجع فرد في الأمة ومن ابطال مواجهة أعداء الإسلام وخصوم الدعوة .
هامش
( 1 ) . « وعى » من مادة « وعي » على وزن « سعى » بمعنى الفهم والحفظ وتحذف منها الواو حين ترد بصيغة فعل الأمر والفعل المضارع .