« بِتَشْعِيرِهِ « 1 » الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَامَشْعَرَ لَهُ »
، لأنّ وجود الحواس من لوازم المخلوقات الممكنة الوجود ويتنزّه عن ذلك واجب الوجود ، أضف إلى ذلك أنّ الحواس من عوارض الموجودات ، والعرض والمعروض شيئان مختلفان بينما نعلم أن ليس للتركيب من سبيل إلى ذات اللَّه .
بعبارة أخرى لقد دلّ اللَّه تعالى بخلقه الحواس لعباده أنّ الاحساس والحواس عارضة ومنفصلة عن ذات الأشياء ، وهنا فهم العباد أن ليس له حواس لأنّ ذاته ليست محلّاً للعوارض .
ثم قال عليه السلام :
« وبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْامُورِ عُرِفَ أَنْ لَاضِدَّ لَهُ ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَاقَرِينَ لَهُ »
وتفسير هذا الكلام أنّ وجودين متضادين يكونان قطعاً محدودين ولهما حالتان مختلفتان ، والحال الذات الإلهيّة ليست محدودة ولا شيء عارض عليها ، كما أنّ الموجودين المقرونين محدودان ولهما عوارض مشابهة بينما الذات الإلهيّة لامحدودة من كلّ الجهات وعارية من كلّ العوارض .
وواصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى بعض المصاديق من الأمور المتضادة فقال :
« ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ « 2 » ، والْجُمُودَ بِالْبَلَلِ ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ « 3 » » .
طبعاً ينطوي هذا التضاد على فلسفة تتمثل في ايجاد التوازن وإزالة آثار السوء لكلّ شيء بآخر ، فلو أشرقت الشمس على جانب من الكرة الأرضيّة دائماً وغط الجانب الآخر منها في ظلمة دائمة لزالت الحياة عاجلًا ؛ فالجانب الذي يتعرض إلى الشمس يحترق بفعل شدّة الحرارة ويهلك ، كما ينجمد ويزول ذلك الذي يعيش الظلمة : « قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ » « 4 » ؛ « قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ
هامش
( 1 ) . « تشعير » من « شعور » بمعنى العلم والمعرفة وتعني هنا العلم بالشي عن طريق الحواس .
( 2 ) . « بهمة » بمعنى السواد والليالي الظلماء والمعنى الأوّل هو المطلوب .
( 3 ) . « صرد » بمعنى البرد وقيل إنّها مفردة فارسية .
( 4 ) . سورة القصص ، الآية 71 .