على معرفة النّبي صلى الله عليه وآله ليخوض هنا في أدلة اثبات وجود اللَّه وعلمه وقدرته المطلقة ، فحذر أولئك الذين ضلّوا الطريق فقال :
« ولَوفَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ ، وجَسِيمِ النِّعْمَةِ ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ ، وخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ » .
إشارة إلى أمرين : أنّه لو استعمل الفكر لاتّضحت آثاره عاجلًا على أعمال الإنسان ؛ الأوّل التفكير في عظمة قدرة اللَّه الذي خلق النجوم السماويّة العظيمة وملياردات الكواكب في المجرة ومئات الملايين من المجرات بحيث لم يتّضح لأحد سعة ملكه وعظمته ، وكل ما نورده بشأن عظمة العالم إنّما يقتصر على الأشياء التي لا تتجاوز دائرة علمنا القاصر ، ولعل كلّ ذلك لا يعدو ورقة شجرة بلغت عنان السماء في وسط غابة كثيفة ، فالتفكير بهذا الشأن يجعل الإنسان خاضعاً لهذه القدرة فيقبل على اللَّه ويتعلق به قلبه فينير باسمه وذكره حياته .
والآخر التفكير في النعم كونها ملأت وجودنا وهي متصلة منذ لحظة انعقاد النطفة حتى ختام العمر ؛ فقد سخر لنا لشمس والقمر والسماوات والأرض ومنحنا التصرف في السحب والرياح والأمطار ، فقد بسط نعمته في كلّ مكان وجعل الجميع يتغذى على رزقه ، والحقّ أنّ شكر النعمة المودع في فطرة كلّ إنسان يسوقه إلى معرفة المنعم .
ثم تساءل عليه السلام ترى ما العامل الذي يصد الإنسان عن السبيل ويسوقه إلى العذاب الأليم مع وجود كلّ هذه الدوافع القوية ؟ فقال :
« ولكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ ! « 1 » » .
فقد أشار الإمام عليه السلام هنا إلى سببين رئيسيين ، لأنّ المراد من القلوب العقول التي تتعطل عن المعرفة أثر الهوى والهوس وسائر الآفات ، والمراد من البصائر عيون البصيرة التي تطرح عليها حجب المعصية والتعصب وحبّ الذات .
وبالطبع فإنّ هذه الأمور طارئة على أصل الخلقة بل الغفلة والهوى والهوس
هامش
( 1 ) . « مدخولة » من مادة « دخل » على وزن « دغل » بمعنى الفساد .