عَلَى مَوْرِ « 1 » الْمَاءِ أَرْضَكَ ، رَجَعَ طَرْفُهُ « 2 » حَسِيراً « 3 » ، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً « 4 » ، وَسَمْعُهُ وَالِهَاً ،
وَفِكْرُهُ حَائِراً »
. فقد ركز الإمام عليه السلام بهذه العبارات اللطيفة العميقة المعنى على أربعة أمور بشأن عظمة الخلق ؛ إقامة العرش ، وبداية الخلق ، وتعليق الكرات في السماء ، وظهور الأرض من تحت الماء ، وكل واحدة أعجب من الأخرى ، ثم أشار عقبها إلى أثار هذه الحيرة من قبيل تعب العين وعجزها ، وبهت العقول ، ووله السمع ، وحيرة الفكر . أمّا بشأن تفسير العرش فهنالك كلام كثير ، والمستفاد من آية الكرسي أنّ العرش عالم فوق السماء والأرض ، حيث ورد في القرآن بشأنه : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ » . جدير ذكره أنّ الملوك القدماء كان لهم عرشان ؛ عرش صغير يطلق عليه الكرسي يستعملونه في الأيّام الاعتيادية ، وآخر مرتفع يسمى العرش يعتلونه في الأعياد والمناسبات الرسمية ، ثم أصبح هذان التعبير أنّ كناية عن مختلف درجات العظمة ، والقرآن يعد السماوات والأرض التي نراها كرسي اللَّه ، وعليه فعرشه أرفع من ذلك . ومن هنا ربّما يكون العرش إشارة إلى عالم ما وراء الطبيعة ، أي عالم الملائكة والكروبيين « 5 » أوعالم المادة الذي ليس لدينا من سبيل إليه .
والعبارة
« وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ »
يمكن أن يكون إشارة إلى دحو الأرض وظهور اليابسة من المياه ؛ لأنّ المياه عمت بادىء الأمر الكرة الأرضية برمتها ، ثم تخللت فجوات الأرض وشقوقها بالتدريج حتى ظهرت اليابسة . أجل لا يمتلك الإنسان سوى الحيرة والذهول أن فكر بشأن عالم الخليقة وما ينطوى عليه
هامش
( 1 ) . « مور » على وزن قول ، لها معان مختلفة في اللغة ، منها التيار السريع أو أمواج الماء
( 2 ) . « طرف » على وزن حرف ، أهداب العين
( 3 ) . « حسير » من مادة ( حسر ) على وزن قصر ، التعب والضعف
( 4 ) . « مبهور » من مادة ( بهر ) على وزن قهر ، الغلبة والحيرة
( 5 ) . أشرنا إلى هذا المطلب في شرح آية الكرسي في التفسير الأمثل