ثم قال عليه السلام بأنّ الله سبحانه أسكن آدم جنته وزوده بمختلف الأطعمة والأشرية ، ثم حذره ما حظر عليه والعاقبة الخطيرة لتجاوز أمره ونهيه على مقامه وكرامته :
« وأسكنه جنته ، وأرغد فيها أكله ، وأوعز « 1 » إليه فيما نهاه عنه ، وأعلمه أن في الأقدام عليه التعرض
لمعصيته ، والمخاطرة بمنزلته » .
نعم فقد أسكن الله آدم عليه السلام في جنّة أرضية ( جنّة غناء بالفاكهة من جنان الأرض ، والشاهد على ذلك قوله :
« فلما مهد أرضه »
، ثم بين لآدم عليه السلام تكليفه وأصدر له وأوامره ونواهيه وحذره من معصيته وعدم طاعة أوامره ، والعبارات وان لم تصرح بالشجرة المنهية ، غير أنّها بينت بصورة عامة ؛ الأمر الذي ورد كراراً في عدّه آيات قرآنية ومنها الآية : « وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » « 2 » والآية « وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ » « 3 » .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بأنّ آدم وقع في ما حذر منه :
« فأقدم على ما نهاه عنه ، موافاة لسابق علمه » .
قد يبدو في البداية أنّ العبارة :
« موافاة لسابق علمه »
، أنّ آدم عليه السلام - قد أجبر على المعصية وذلك لأنّ علم الله سبق في هذا الأمر ( وهذه هي الشبهة المعروفة لدى المجبرة في مسألة العلم الأزلي لله سبحانه ) ، ولكن كما ذكر نا ذلك سابقاً في بحث الجبر والتفويض ، أنّ العلم الأزلي ليس سبباً الاجبار على فعل قط ! لأنّ اللَّه كان يعلم أنّ آدم عليه السلام سيقارف هذا العمل باختياره ، بالضبط كالأستاذ الذي يعرف تلميذه سيسقط في الامتحان النهائي بسبب إهماله وكسله في الدروس . فمثل هذا العلم من قبل الأستاذ ليس له أية صلة برسوب ذلك التلميذ أو اجباره عليه . فهو يعلم أنّ تلميذه اختار طريقاً خاطئاً بمحض إرادته ، وقد اعتاد الكسل والتقاعس دون الجد والمطالعة والمثابرة « 4 » ومن هنا آخذه اللَّه وخاطبه : « أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ » « 5 » .
هامش
( 1 ) « أوعز » من مادة « وعز » على وزن وعظ اقتراح عمل على آخر .
( 2 ) سورة طه / 115 .
( 3 ) سورة البقرة / 35 .
( 4 ) للوقوف على تفاصيل هذا الموضوع راجع كتاب « معرفة اللَّه » .
( 5 ) سورة الأعراف / 22 .