« وليس في أطباق السماء موضع إهاب « 1 » إلّاوعليه ملك ساجد أو ساع حافد « 2 » يزدادون
على طول الطاعة بربّهم علماً ، وتزداد عزة ربّهم في قلوبهم عظماً » .
فالعبارات تفيد كثرة عدد الملائكة من جانب بحيث ملأت جميع أقطار السماوات بما فيها مدبرات الأمر وامناء الوحي والمنهمكين بالطاعة والعبودية . من جانب آخر فان كلا الطائفتين من الملائكة لكثرة طاعتها لربّها إنّما تزداد يوما بعد آخر علما ومعرفة فيصبحوا أكثر قربا للَّهومعرفة به . وهذا درس آخر للناس ليعلموا أنّ الطاعة والتقوى سبب ازدياد العلم والمعرفة والتعرف على صفات اللَّه الجمالية والجلالية . والواقع هو أنّ هنالك تأثير متبادل بين الطاعة والتقوى والمعرفة حيث تحكمهما علاقة طردية ، فالمعرفة تقود إلى الطاعة ، كما أنّ الطاعة تكون سببا للعلم والمعرفة الأعمق والأشمل . فقد ورد في الحديث أنّ رجلًا سأل الإمام الصادق عليه السلام : هل الملائكة أكثر أم الناس ؟ فأجاب عليه السلام :
« والذي نفسي بيده لعدد ملائكة اللَّه في السماوات أكثر من عدد التراب في الأرض ؛ وما في السماء من موضع قدم إلّاوفيها ملك يسبحه ويقدسه » « 3 » .
تأمّل : الناس والملائكة ثانية
بين الإمام عليه السلام في هذا الخطبة صفات الملائكة بصورة واسعة جداً ، وبالطبع فانّ هنالك هدفا مهما كان ينشده الإمام عليه السلام من ذلك . ويبدو أنّ للإمام عليه السلام هدفان هما : ذلك المطلب الذي وردت من أجله الخطبة ويكمن في معرفة الصفات بعيدا عن الشرك سواء عن طريق التشبيه أو التعطيل .
والآخر هو سوق الإنسان نحو الملائكة والتحلي بصفاتها ؛ ومنها أنّهما كها بالعبادة والطاعة والتواضع والخضوع واتباع الأوامر ؛ فلا يكلون ولايتعبون ولايفترون ، وليس بينهم من
هامش
( 1 ) « أهاب » جلد الحيوان ، أو الجلد المدبوغ .
( 2 ) « حافد » من مادة « حفد » السرعة في العمل .
( 3 ) تفسير القمي 2 / 255 .