في مسيرتها من اللَّه تكشفت لها حقائق جديدة عن عظمته المطلقة ، فيروا فيه ملامح جديدة من صفات الجمال والجلال . من هنا يزدادون له خضوعاً وخشوعاً وتواضعاً كل يوم ، فلا يبقى أمامهم من مجال للاعجاب بالحسنات وإكبارها ، بل يرون أنفسهم مقصرين على الداوم تجاهه . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه باماطة اللثام عن هذه الحقيقة وهى عدم كلل الملائكة عن عبادته ، وليس للفتور من سبيل إليها ، كما ليس هناك ما يصدها عن مواصلة مسيرتها العبادية ، بل هي دؤوبة على العبادة بدافع من عشقها وإرادتها وعزمها ، على غرار الإنسان الذي لايكل عن استنشاق الهواء الطلق طيلة عمره وإن امتد لالاف السنين . ثم تناول الإمام عليه السلام هذه المسألة من مختلف الجوانب بثمان عبارات . فقال فيالعبارة الأولى :
« ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤبهم » « 1 »
كما قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز واصفاً الملائكة :
« يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » « 2 » ثم قال عليه السلام في العبارة الثانية :
« ولم تغض « 3 »
رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم »
، وذلك لأنّ عشقهم للكمال دائمي لا يتوقف ، وعلمهم متزايد بربهم - وبناءاً على هذا فليس هنالك ما يدعو إلى غفلتهم عن العبادة ، أو يقلل من أملهم . وقال في العبارة الثالثة أن طول مناجاتهم لم تجف ألسنتهم وتعجزها عن العبادة :
« ولم تجف لطول المناجاة أسلات « 4 » ألسنتهم »
، طبعاً ليس هنالك لساناً وفما للملائكة كما لدينا ، بحيث تقل رطوبته بفعل كثرة الذكر والمناجاة فيصيبه الجفاف واليبس ، بل العبارة كناية لطيفة عن عدم ضعفهم وفتورهم في تسبيحهم وتضرعهم للَّهسبحانه وتعالى ، ثم قال عليه السلام في العبارة الرابعة :
« ولاملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس « 5 » الجؤار « 6 » ، إليه أصواتهم »
، فالواقع ليس لهؤلاء من عمل سوى العبادة والطاعة والعبودية ، وهذه الأمور جزء لايجتزأ من ذواتهم ووجودهم وإيمانهم . وليس لهذه الأمور أن تخلق أي تعب أو ملل ، كالقلب المعافى الذي لا يشعر بالتعب ولو عمل لسنين ، وقال عليه السلام في العبارة الخامسة :
« ولم تختلف في مقاوم « 7 » الطاعة
هامش
( 1 ) « دؤوب » مصدر بمعنى الدوام والاستمرار والسعي والجهد إلى حد التعب والارهاق .
( 2 ) سورة الأنبياء / 20 .
( 3 ) « تغض » من مادة « غيض » بمعنى تنقص وتقل . وأشارت في العبارة إلى عدم قلة رغبة الملائكة بطاعة اللَّه وعبادته .
( 4 ) « أسلات » جمع « أسله » بمعنى طرف اللسان ، وتطلق على من لايكل عن الذكر ولايجف لسانه .
( 5 ) « همس » على وزن لمس ، الخفي من الصوت .
( 6 ) « جؤار » ، الصوت المرتفع ، وقد ورد في العبارة بمعنى رفع صوت الملائكة بالتضرع وعدم الكف عن المناجاة .
( 7 ) « مقاوم » ، قال شرّاح نهج البلاغة مقاوم جمع مقام بمعنى الصفوف وإن لم تعشر على مثل هذا الجمع 2 في المصادر اللغوية .