فالعبارات بمجموعها تكشف النقاب عن ذات الحقيقة وهى تقلب الدنيا وانعدام قيمتها ؛ الحقيقة التي يغفلها أغلب الناس ، فتقودهم هذه الغفلة إلى البؤس والشقاء والحرمان من السعادة .
ثم يخلص الإمام عليه السلام من هذا البحث بشأن تفاهة الدنيا إلى نتيجة ينبغي أن يبلغها الجميع ، وهى ما دامت الدنيا كذلك فلا ينبغي إضاعة الجهود من أجل الحصول على مفاخرها الزائفة وعزتها الموهومة ، كما لا ينبغي الانخداع بزينتها وزخارفها الزائلة ، ولا ينبغي الشعور بالامتعاض والغصة على آلامها وأحزانها :
« فلا تنافسوا « 1 » في عز الدنيا وفخرها ، ولا
تعجبوا بزينتها ونعيمها ، ولاتجزعوا من ضرائها وبؤسها » .
وذلك لأنّ فخرها آيل إلى الزوال ونعمتها إلى الفناء ، وآلامها إلى انقضاء
« فان عزها وفخرها إلى انقطاع ، وان زينتها ونعيمها إلى زوال ، وضراءها ويؤسها إلى نفاد « 2 » ، كل مدة
فيها إلى انتهاء ، وكل حي إلى فناء » .
فقد ركز الإمام عليه السلام في هذه العبارات الرائعة على عزة الدنيا وفخرها ونعمها وزينتها وآلامها ومصائبها ، ليرى فناء كل شيء فيها وزواله ، ثم عرض لقانون كلي إلى أنّ كل عز فيها إلى انقطاع وزينة ونعيم إلى زوال وضراء وبؤس إلى نفاد وكل مدة فيها إلى انتهاء ، وكل حي فيها إلى فناء ؛ فإذا كان الأمر كذلك فما معنى كل هذا النزاع والتنافس والجزع ؟ ! فقد صرح أحد شرّاح نهج البلاغة بأن الماضين قد ذهبوا وأصبحوا ترابا واننا لنطى ترابهم ثم نكون مثلهم ، ثم يعبر علينا الآخرون من بعدنا . ومع كل هذا لا نفيق من غفلتنا ! ! وما أروع حديث الإمام الباقر عليه السلام الذي شبه نعم الدنيا بالمال الذي يراه النائم فان نهض من نومه لم ير شيئاً :
« أو كمال وجدته في منامك ، فاستيقظت وليس معك منه شيء » « 3 » .
أو كما صورها الشاعر :
ألا إنّما الدنيا كمنزل راكب * أناخ عشياً وهو في الصبح راحل
وكل شباب ، أو جديد إلى البلاء * وكل امرء يوماً إلى الله صائر
هامش
( 1 ) « تنافسوا » من مادة « تنافس » بمعنى بذل الجهد والسعي ، ومحاولة شخصين أو مجموعتين للحصول علىشيء نفيس .
( 2 ) نفاد بمعنى الفناء والزوال .
( 3 ) بحارالانوار 70 / 36 .