والسؤال المطروح : هل كان جيش العراق يشعر بالخطر ، إلّاأنّ الضعف والتقاعس يثبطه بعدم مواجهة العدو ؟ أم أنّه لم يكن يشعر بخطر من معاوية وأهل الشام ؟ الاحتمالان قائمان ، إلى جانب الخوف والجبن والجهل والاختلافات القبلية .
آنذاك خاطبهم عليه السلام بعبارات عنيفة - تثير غيرة من كان له أدنى غيرة ورجولة - بغية آثارتهم ودفعهم للنهوض والحركة ، فقال عليه السلام :
« أشهود كغياب ، وعبيد كأرياب ، أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها ، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا » .
« أيادي سبا »
وبعبارة أخرى
« مثل أيادي سبا »
إشارة إلى مثل معروف بين العرب يضرب للمتفرقين ، وقيل أنّ سبأ هو أبو عرب اليمن كان له عشرة أولاد ، جعل منهم ستة يميناً له ، وأربعة شمالًا تشبيها لهم باليدين ، ثم تفرق أولئك الأولاد أشد التفرق . « 1 »
على كل حال فانّ عبارات الإمام عليه السلام تفيد أنّه عليه السلام نصحهم بأدنى الأمر بكلمات حكيمة ومواعظ حسنة ، وقد بالغ في مداراتهم ، وما ورد من كلمات عنيفة وحادة تضمنتها بعض عبارات الخطبة فإنّما كانت عقب تلك الكلمات التي تضمنت الوعظ والنصح ، هذا في الوقت الذي كان الطرف الآخر يمتاز بالفضاضة واللجاجة بحيث لا تجعلهم يفيقون من غفلتهم إلّا كلمات الذم والتوبيخ والعتاب .
ثم قال عليه السلام :
« ترجعون إلى مجالسكم ، وتتخادعون عن مواعظكم ، أقومكم غدوة ، وترجعون إلى عشية ، كظهر الحنية « 2 » ، عجز المقوم ، وأعضل « 3 » المقوم » .
فالعبارة تنطوي على نقطة مهمّة وهى كثرة المنافقين آنذاك بين أهل العراق ، وكانوا يسعون للالتفاف على كلام الإمام عليه السلام ، فكانوا يتأثرون بأخلاق الإمام عليه السلام ومواعظه حين يأتوه ، ويقتنعون بضرورة الاستعداد والتأهب لقتال العدو ، فإذا رجعوا إلى مجالسهم الخاصة والعامة نفثوا سمومهم الشيطانية وشوشوا الأفكار وسعوا لاضعاف الإرادات وتصديع عرى الاتحاد والاخوة وبث بذور الشقاق والفرقة .
هامش
( 1 ) « أيادي » جمع « أيدي » وهذه الأخيرة جمع يد ، كما تستعمل الأيادي في معاني أخرى .
( 2 ) « الحنية » بمعنى القوس وذلك بسبب انحنائه .
( 3 ) « أعضل » من مادة « الاعضال » بمعنى الشدة والتعقيد .