والمصائب وآثارها وبقاياها تلازم دائما الراحة والهدوء ولا تفارقهما أبداً ، والعبارة :
« يفرج أفراحها غصص أتراحها »
تأكيد آخر لهذا المعنى ؛ لأنّ أتراح جمع ترح على وزن فرح بمعنى الحزن والغم والهم . فبالنتيجة ذكر الإمام عليه السلام أنّ هذه الأفراح والسرور مقرونة با لهم والحزن ، النقطة الآخرى التي أشار إليها الإمام عليه السلام هي الوقت المحدد . للحياة ، فلها نهاية حتمية عاجلا أم آجلًا ، والشيء الذي ليس للإنسان منه وسيلة للهرب هو الموت :
« وخلق الآجال فأطالها وقصرها ، وقدمها وأخرها » .
فالموت موصول بالحياة ( وجعل الأمراض وسيلة لانهاء الحياة ) من شأنه القضاء عليها
« ووصل بالموت أسبابها ، وجعله خالجا « 1 » لأشطانها « 2 » ، وقاطعا
لمرائر « 3 » أقرانها »
، فقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة القصيرة إلى عدّة نقاط ، منها أنّ البعض يعمر كثيراً بصورة طبيعية ، والبعض الآخر يعمر قليلًا ، كما قد يقصر ذلك العمر الطويل بفعل بعض الأعمال الشائنة أو الذنوب والمعاصي ، بينما قد يطال في ذلك العمر القصير إثر رعاية القضايا المرتبطة بالصحة والسلامة ، أو بفعل الأعمال الطيبة والخير والاحسان . كما أشار عليه السلام إلى أنّ للموت عدّة أسباب ، إذا هرب الإنسان من بعضها وقع في مخالب الاخر ، بل لا ينجو من الموت أقوى الأقوياء . وعليه لا ينبغي لأحد أن يغتر بصحته وسلامته وشبابه وقوته ، ولابدّ لكل أحد أن يتأهب للموت ويعد له الزاد المطلوب متوقعاً الموت في أي وقت . « 4 » كما احتمل بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ المراد بالتقديم والتأخير ، هو أنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق البعض في الأزمنة الماضية والبعض الآخر في الأزمنة اللاحقة على ضوء المصالح ، إلّاأنّ المعنى الأول أنسب .
تأمّل : هل رزق كل إنسان مقدر ؟
لا يستفاد من عبارات هذه الخطبة تقدير رزق الإنسان فحسب ، بل يستفاد ذلك من
هامش
( 1 ) « خالج » من مادة « خلج » بمعنى الجذب ، والخلجان شيء في ذهن الإنسان يعنى انجذابه أمام الشيء ، ومنهنا اطلق الخليج لجذبه ماءاً كثيراً من البحر .
( 2 ) « أشطان » جمع « شطن » على وزن وطن وهو الحبل الطويل ، كما وردت هذه المفردة بمعنى العبد ، ومنه « الشيطان » لبعده عن الهداية والرحمة .
( 3 ) « مرائر » جمع « مرير » الحبل المحكم .
( 4 ) أوردنا بحثاً مفصلًا في الخطبة 62 من المجلد الثالث بشأن الأجل ونهاية عمر الإنسان .