صفاته سبحانه التي تشير إلى مباينتها لصفات كافة مخلوقاته . فقد قال عليه السلام بادئ ذي بدء :
« الحمداللَّه الذي لا يفره « 1 » المنع والجمود ، ولا يكديه « 2 » الاعطاء والجود » .
ثم خاض عليه السلام في الدليل على ذلك قائلًا :
« إذ كل معط منتقص سواه ، وكل مانع مذموم ما خلاه » .
نعلم جميعاً أنّ أحد الأركان الأصلية لمعرفة صفات اللَّه سبحانه وتعالى يكمن في الاعتقاد بأنّه وجود مطلق من جميع الجهات وليست هناك من حدود لذاته المقدسة وصفاته . فمن الطبيعي أنّ اللامحدود يبقى كذلك مهما أخذ منه ؛ أي ليس للنقصان والقلة من سبيل إليه . وعلى هذا الضوء فلو وهب كل إنسان عالماً من المادة ، لما نفدت خزائن نعمه . ولهذا أيضاً إذا منع أحد شيئاً فلا يذم عليه . لتعذر تصور البخل على الذات المطلقة . فليس هنالك من سبيل سوى إسناد المنع إلى الحكمة والمصلحة . بعبارة أخرى فانّ عطائه ومنعه يتوقف على الاستعداد والاستحقاق والأهلية ، وعليه ينقطع كل كلام ويخرس كل لسان عن الخوض في هذا الموضوع . جاء في الحديث القدسي :
« يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك ممّا عندي شيئاً إلّاكما ينقص المخيط إذا دخل البحر » « 3 »
، فمن الطبيعي أن لا يعلق شي من الماء بالإبرة إذا ما ألقيت فيه سوى بمقدار الرطوبة العالقة بها . وهذا أروع مثال لأدنى نقص يطيل أعظم مصدر ومنبع للماء . فالمثال صورة واضحة لعدم تناهى الخزائن الإلهية التي لا تزيدها كثرة العطاء إلّازيادة . كما ورد في حديث قدسي آخر :
« إن من عبادي من لا يصلحه إلّاالفاقة ، ولو أغنيته لأفسده ذلك » « 4 »
، ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه عن سائر صفاته سبحانه ذات الصلة بجوده وكرمه وعطائه فقال :
« وهو المنان بفوائد النعم ، وعوائد المزيد والقسم »
فالالتفات إلى النعم الإلهية على أساس أنّ وجدان الإنسان يوجب عليه شكر هذه النعم ويشده إلى الحق سبحانه ، نرى الإمام عليه السلام يطرق بادىء الأمر هذا المعنى ليعد القلوب لما سيرد عليها من حقائق . والتعبير
« منان »
من مادة من بمعنى كثير العطاء . أمّا فوائد النعم فتنطوى على مفهوم واسع يشمل كافة النعم المادية
هامش
( 1 ) « يفره » من مادة « وفور » بمعنى الكثرة والزيادة .
( 2 ) « يكديه » من مادة « كدى » على وزن كسب بمعنى البخل ، وهى هنا بمعنى يفقره وينفد خزائنه .
( 3 ) منهاج البراعة 6 / 288 .
( 4 ) بحار الأنوار 68 / 140 ح 31 .