« أَلا إِنَّ الدُّنْيا دارٌ لا يُسْلَمُ مِنْها ، إِلَّا فِيها وَلا يُنْجَى بِشَيْءٍ كانَ لَها : ابْتُلِيَ النَّاسُ بِها فِتْنَةً ، فَما أَخَذُوهُ مِنْها لَها أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا ، عَلَيْهِ وَما أَخَذُوهُ مِنْها لِغَيْرِها قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقامُوا فِيهِ ؛ فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ ، بَيْنا تَراهُ سابِغاً حَتَّى قَلَصَ ، وَزائِداً حَتَّى نَقَصَ » .
الشرح والتفسير
الدنيا ظل زائل
لما كانت زخارف الدنيا وزينتها تدعوا إلى المبالغة في التعلق بها ؛ الأمر الذي يفضي إلى مقارفة الذنوب والمعاصي والانحراف عن الصراط المستقيم والسقوط في هاوية الضلال فانّ القادة الربانيين لا ينفكون عن تحذير أتباعهم منها ، وهذا ما نلمسه بوضوح في معظم نهجالبلاغة الذي أورد التحذير تلو التحذير على لسان خطبه ورسائله وقصار كلماته .
والخطبة التي نحن بصددها هي نموذج من هذا التحذير الذي ضمنه الإمام عليه السلام ستة أمور مهمة ، فقد إستهل ذلك قائلًا :
« ألا وإنّ الدّنيا دار لا يسلم منها إلّافيها »
والدليل واضح لانقاش فيه ؛ لأنّ من أهم أسباب السلامة هو كسب الفضائل الأخلاقية والتحلي بالقيم والمثل المعنوية وعبودية اللَّه وطاعته ، والتي لا تتسنى إلّافي هذه الدنيا ، وليس للإنسان من فرصة سوى في هذا العالم دون العوالم الأخرى ، ومن هنا قال الإمام عليه السلام لا تنال السلامة من الدنيا إلّافيها . ثم قال عليه السلام :
« ولاينجى بشيءٍ كان لها »
أي إن كانت الدنيا هي دافع نشاطات الإنسان وغاية أعماله وأفعاله وحتى إتيانه بالعبادات إذا كان ينطوي على هدف دنيوي ويشوبه الرياء والسمعة فانّها لن تكن سببا لنجاته ، بل ستفضى إلى هلاكه وشقائه . ثم أشار في الأمر الثالث إلى كونها ميدان امتحان :
« ابتلي النّاس بها فتنةً » ؛
فالدنيا مليئة بالنعم إلى جانب المشاكل