بطن بمعنى الخفاء ومفهوم العبارة أنّ اللَّه مخفى في الأسرار ، وبعبارة أخرى فانّ ذاته أعظم خفاءاً من الخفاء ، وزبدة الكلام فان مفهوم العبارة ما أنشده الفيلسوف في شعره :
وجوده من أظهر الأشياء * وكنهه في غاية الخفاء
أمّا العبارة
« دلت عليه أعلام الظهور »
فتعني أنّ آياته ظاهرة جلية في كل مكان ، في السماوات والنجوم والمجرات والمنظومات وفي الأرض في الصحارى والبحارى والجبال والأنهار وعلى جبين كافة الكائنات الحية في أوراق الأشجار والبراعم والثمار وفي باطن الذرات والجزئيات . وبالطبع كلما تقدم العلم وكشفت الأسرار ازدادت الأدلة والآيات على قدرة الذات الإلهية وعلمها المطلق . والعبارة الثالثة
« وامتنع على عين البصير »
تفيد تعذر رؤية جماله سبحانه على أحدّ العيون ، وذلك لأنّ المشاهدة الحسية إنّما تختص بالجسم والجسمانيات ذات الجهة والمكان ، بينما ذاته المطلقة ليست بجسم ولا جسمانية وليس لها من جهة أو مكان ، بل هي مطلقة منزهة عن كل هذه العوارض والنقائص « لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » « 1 » . ولما سأل موسى عليه السلام من جانب بنيإسرائيل ربّه « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك » الشهود الحسي ، خوطب « لَنْ تَرانِي » « 2 » ثم شاهد موسى عليه السلام قبسات من تجليات اللَّه التي دكت الجبل فصعق موسى ومن معه فلما أفاق قال « سُبْحانَك تُبْتُ إِلَيْك وَأَنَا أَ وَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » والعبارة
« فلا عين من لم يره . . . »
نتيجة طبيعة تشير إلى أنّ العاقل لا يسعه إنكار الذات الإلهية المقدسّة بفعل وجود هذه الأدلة والآيات ، رغم تعذر المشاهدة الحسية ، أما المؤمنون باللَّه فلا ينبغي لهم أن يعتقدوا بمشاهدته حتى قلبياً ، وبالطبع يمكن رؤيته قلباً كما ورد عنه عليه السلام
« لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان » « 3 »
، غير أنّ هذه المشاهدة تتعلق بالأسماء والصفات لا مشاهدة كنه الذات ، وهنا يصدح حتى أولياءاللَّه فضلًا عن عامة المخلوقات
« ما عرفناك حق معرفتك »
ثم قال عليه السلام :
« سبق في العلو فلا شيء أعلى منه وقرب في الدنو فلا شيء أقرب منه »
ثم يخلص علي عليه السلام
هامش
( 1 ) سورة الأنعام / 103 .
( 2 ) سورة الأعراف / 143 .
( 3 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 179 .