زمان الإمام عليه السلام . وذكر البعض أنّ العبارة إشارة إلى مستقبل الكوفة وتقسيمها إلى أجزاء متعددة ، على غرار تقسيم الجلد العكاظي ودبغه وتوسيعه . ثم قال عليه السلام
« تعركين « 1 » بالنوازل « 2 » وتركبين بالزلازل »
وقد ورد مثل هذا المعنى في الخطبة 108 بقوله :
« تعرككم عرك الأديم »
أي يسلط عليكم بني أمية فيسومونكم سوء العذاب . ونبوءته الثانية التي تمثلت بقوله عليه السلام :
« إنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبار سوءاً إلّاإبتلاه اللَّه بشاغل ورماه بقاتل » .
ويمكن أن تكون العبارة
« ابتلاه اللَّه بشاغل »
إشارة إلى الأمراض العضال والآلام التي تشغل الظلمة وتصرفهم عن الناس ، كما أنّ « ورماه بقاتل » الحوادث التي تهجم على الإنسان من الخارج فتقتله وتقضي عليه .
والحق أنّ ما تكهن به الإمام عليه السلام بشأن الكوفة قد حدث ، حيث اتسعت إتساعاً كبيراً بعد الإمام عليه السلام وكانت على الدوام مركزا للفتن والحوادث المريرة ، وقد هب أغلب الجبابرة للسيطرة عليها ، إلّاأنّ اللَّه كان يبتليهم بأنواع البلاء ويدفع شرهم عنها ، ولعل ذلك يعزى لكون الكوفة تشكل مركز استقطاب خلص المؤمنين من الشيعة الأوفياء لعليبن أبي طالب عليه السلام وإن كان بينهم بعض المنافقين . ومن هنا صرحت بعض الروايات بفضل الكوفة . أمّا من بين الأفراد الذين هموا بالكوفة بعد أميرَالمؤمنين عليه السلام زياد بن أبيه . فقد ورد في بعض الروايات أنّ زيادا لما حصبه أهل الكوفة ، وهو يخطب على المنبر ، فقطع أيدي ثمانين منهم ، وهم أن يخرب دورهم ، ويجمر نخلهم ، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة ، يعرضهم على البراءة من علي عليه السلام ؛ وعلم أنّهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم . فخرج خارج من القصر فقال :
انصرفوا ، فانّ الأمير يقول لكم : إنّي عنكم اليوم مشغول ؛ وإذا بالطاعون قد ضربه ، فكان يقول : إنّي لأجد في النصف من جسدي حر النار حتى مات . « 3 »
رأيان في الكوفة
وردت عدة عبارات في نهجالبلاغة بشأن الكوفة وأهلها ، ومن ذلك الخطبة المذكورة التي
هامش
( 1 ) « تعركين » من مادة « عرك » على وزن درك ، من عركت القوم الحرب إذا مارستهم حتى أتعبتهم .
( 2 ) « نوازل » جمع نازلة بمعنى الحوادث الشديدة .
( 3 ) شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد 3 / 198 .