القسم الثاني
« أَلا وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ ؛ فَلَمْ يَبْقَ مِنْها إِلَّا صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الْإِناءِ اصْطَبَّها صابُّها . أَلا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَلِكُلٍّ مِنْهُما بَنُونَ . فَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الْآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيا . فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسابَ ، وَغَداً حِسابٌ وَلا عَمَلَ » .
الشرح والتفسير
واصل عليه السلام خطبته التي ابتدأها بذم اتباع الهوى وطول الأمل الذان يصدان عن الحق وينسيان الآخرة ، وبالتالي يحولان دون سعادة الإنسان وفلاحه ، ليقدم تحليلًا رائعاً عن أوضاع الدنيا والآخرة فقال
« ألا وإنّ الدنيا قد ولت حذاء « 1 » ، فلم يبق منها إلّاصبابة كصبابة « 2 » الاناء إصطبها صابها » .
فقد شبهت الدنيا هنا بالكائن الذي يعود بسرعة إلى مسيرته ، الأمر الذي يفيد حقيقة الحركة السريعة لعمر الإنسان ، الحركة الخارجة عن إرادة الإنسان وتشمل كافة الكائنات الحية سوى الذات الإلهية المطلقة ، ولا يستثنى من تلك الحركة الكواكب والمجرات والسماوات والأرضين لتنتهي إلى الفناء والزوال الدنيوي ليكون نافذة على عالم الخلود والبقاء . فالطفولة تتحرك نحو الفتوة والشباب ، والفتوة تنطلق نحو الكهولة التي تنتهي بالموت ، هذا إذا جرت الأمور وفق القانون الطبيعي والاقد يتساقط بعض الأطفال والشباب من هذه القافلة لتنتهي
هامش
( 1 ) « حذاء » كما ورد في تفسير السيد الرضي ( ره ) وشرّاح نهجالبلاغة بمعنى السريع ، من مادة حذ على وزنحظ بمعنى القطع ، أو القطع السريع ، ثم أطلقت على كل حركة سريعة ، وحذا مؤنث إحذاً .
( 2 ) « صبابة » بالضم البقية من الماء واللبن في الإناء ، والضمير في اصطبها وصابها يعود إلى الصبابة ، لأنّ الإناء مذكر والضمير المؤنث لا يعود اليه .