أمّا العبارة
« ما ضمت عليه جوانح صدره »
- بالالتفات إلى أن الجوانح جمع جانحة بمعنى الأضلاع - فالمراد بها القلب ، وهدف الإمام من قوله
« ما ضمت عليه جوانح صدره »
بيان روحية جيش الكوفة ومدى عجزه . ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى نقطة مهمّة وأساسية يكشف فيها عن اتخاذه القرار الحاسم بشأن المستقبل وما يحمله من أحداث
« أنت فكن ذاك إن شئت فأمّا أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه قراش « 1 » الهام ، وتطيح « 2 » السواعد والأقدام ، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء » .
وأمّا من المخاطب بقوله عليه السلام أنت فكن ذاك ؟ هنالك احتمالان : الأول أن إنّما خاطب من يمكن عدود من نفسه كائنا من كان ، غير معين ولا مخصص ، والاحتمال الاخر أنّه خاطب بذلك الأشعث بن قيس ، فانّه روى أنّه عليه السلام قال وهو يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم :
هلًا فعلت فعل ابن عفان ! فقال له :
« إن امراً مكن عدوه من نفسه ، يعرق لحمه ويهشم عظمه ويفري جلده . أنت فكن ذاك . . . »
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام فصل نفسه عنهم بعد أن يأس منهم ، فافهمهم أنكم إن آثرتم الاستسلام للعدو فسبيلي غير سبيلكم وليس للعدو عندي إلّا السيف وسأقاتله بمفردي ، فلكل وظيفة وليس أنا من يتقاعس عن إداء وظيفته ، فان تخليتم عن وظيفتكم ورضيتم لأنفسكم الذل والهوان والاستسلام للعدو وعرضتم البلد الإسلامي للدمار والابتزاز وخليتم وأهل الشام لينهبوا الأموال ويعتدوا على الاعراض ، فليس لي إلّا أن أقاتلهم وحدي وأنا مستعد للشهادة التي لا أوثر عليها شيئاً ولن أشعر بالضعف أبداً . وكأنّ الإمام عليه السلام أراد أن بهذه الكلمات أن يشد أزر ذلك النزر اليسير من الأفراد الشجعان الذين لا يخلو منهم جيش الكوفة ، كما يزيل الشك عن قلوب بعض المترددين ليلتحقوا به ، ويرشد التأريخ إلى مدى الأثر الذي لعبه كلام الإمام عليه السلام فيهم . فقد شعروا بقوتهم من جديد وتأهبوا لمنازلة العدو .
هامش
( 1 ) « قراش » جمع « قراشه » بعني العظام الرقيقة التي تلي القحف أو عظام الجبهة والرأس ، وهام جمع هامةبمعنى الرأس كما تطلق على زعيم القبيلة .
( 2 ) « تطيح » من مادة « طوح » بمعنى الهلاك أو الاشراف على الهلاك . ولما كان فصل اليد والرجل يشكل القضاء عليهم فقد أطلقت بهذا المعنى في العبارة المذكورة .