قائلًا :
« ثم فتق ما بين السماوات العلا » « 1 »
فالذي يستفاد من هذا التعبير أنّه كانت هناك فواصل بين السماوات وقد التحمت في البداية ثم ما لبثت أن انفصلت ، وهذا بالضبط على الخلاف ممّا تضمنته نظرية بطليموس في أن السماوات كأغطية البصل متراكمة على بعضها دون وجود أية فجوة . ثم قال الإمام عليه السلام :
« فملأهن أطواراً « 2 » من ملائكته « 3 » » .
وقد ورد نظير هذه العبارة في الخطبة رقم 91 المعروفة بخطبة الأشباح حيث قال :
« وملأ بهم فروج فجاجها وحشا بهم فتوق أجوائها »
كما ورد في موضع آخر من هذه الخطبة قوله :
« وليس في أطباق السماء موضع اهاب إلّاوعليه ملك ساجد أو ساع حافد » .
ثم يتطرق عليه السلام إلى أصناف ، أو بعبارة أدق أطوار الملائكة فيقسمهم إلى أربعة أقسام :
القسم الأول : أرباب العبادة ، ثم يقسم هؤلاء إلى أقسام ، فمنهم من هو ساجد أبداً لم يقم من سجوده ليركع « منهم سجود « 4 » لا يركعون » ، ومنهم من هو راكع أبداً لم ينتصب قط « وركوع لا ينتصبون » ومنهم الصافون في الصلاة بين يدي خالقهم لا يتزايلون « وصافون « 5 » لا يتزايلون » . ذهب البعض إلى أنّ « صافون » هنا بمعنى الصف في العبادة ، بينما ذهب البعض الآخر إلى انّ معناها فتح أجنحتهم في السماء بدليل الآية القرآنية القائلة : « أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ » « 6 » . وهناك احتمال آخر أن يكون المراد بها الوقوف في صفوف منظمة والاستعداد لطاعة أوامر اللَّه وامتثالها .
إلّا انّ الاحتمال الأول أكثر انسجاماً مع الجمل السابقة واللاحقة ، والواقع أنّهم يمارسون الحالات الثلاث لعبادتنا في القيام والركوع والسجود . فالتعبير بصافين إمّا أنّه إشارة للصفوف
هامش
( 1 ) « العلا » جمع « عليا » بمعنى الأعلى والأشرف .
( 2 ) « أطوار » جمع « طور » على وزن قول بمعنى الصنف ، كما تعني الحد والحالة أيضاً .
( 3 ) ان الضمير « هن » في العبارة كما يشير ظاهرها يعود إلى السماوات ، إلّاأنّ المراد الفواصل بين السماوات بدليل قوله « ثم فتق . . . » وفاء التفريع في « فملأهن » .
( 4 ) « سجود » جمع « ساجد » ، كالركوع جمع راكع .
( 5 ) « صافون » جمع « صاف » على وزن حاد من مادة « صف » بمعنى المساواة وقد اقتبست في الأصل من « صفصف » بمعنى الأرض المستوية .
( 6 ) سورة الملك / 19 .