وهناك تفسيران آخران ذكرا لهذه العبارة :
الأول : أننا إذا اعتبرنا صفاته سبحانه غير ذاته ، فانّ ذاته ستكون مركبة ، لأنّ الذات والصفات على فرض التناقض ستشتملان على جهات مشتركة ومتمايزة والذي يعبّر عنه « ما به الاشتراك » و « ما به الامتياز » . لأنّ كليهما مشترك في الوجود وفي نفس الوقت متمايزان عن بعضهما ، وفي هذه الحالة لابدّ أن نعتبر ذاته مركبة من جهتين مختلفتين أيضاً .
الثاني : أن نؤمن بوحدة الذات الإلهية ، ولا نعني بها الوحدة العددية ، بل يعني مفهوم الوحدة بالنسبة للذات الإلهية أنّها منزهة عن الشبيه والمثيل والنظير . وبشكل عام فانّ الوجود المطلق من كل الجهات يأبى أن يكون له شبيه ومثيل ، فان قلنا بأنّ صفات اللَّه كذاته أزلية وأبدية ومطلقة ، نكون قد حددناه سبحانه من جانب وقلنا بشبيه له من جانب آخر ( لابدّ من التأمل في هذا الكلام ) وهذا هو المعنى الذي كشف عنه الإمام عليه السلام في إطار توضيحه للاخلاص ، فقال « فمن وصف اللَّه سبحانه » أي وصفه بصفات المخلوقين « فقد قرنه » بالأشياء الأخرى
« ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزاه ومن جزاه فقد جهله »
لأنّه حين جزاه بمعنى جعل ذاته متركبة من أجزاء وحقاً لم يعرف اللَّه من اعتقد بتركب ذاته ؛ وذلك لأنّه تصور كائناً على شاكلته - من حيث التركيب والمحدودية - وأسماه اللَّه .
ثم يقول عليه السلام :
« ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده »
. ويوجد احتمالان بشأن قوله عليه السلام :
« ومن أشار إليه » الأول
أن يكون المراد بها الإشارة العقلية ، والثاني أن يكون المراد بها الإشارة العقلية والحسية . وتوضيح ذلك أنّ الإنسان إذا لم يعرف اللَّه بتلك الحقيقة المطلقة اللامتناهية فانّه سيمتلك في ذهنه مفهوماً محدوداً وخاصاً عنه سبحانه ، أو بتعبير آخر فانّه سيشير إليه بالإشارة العقلية ، وبالطبع سيكون محدوداً في هذه الحالة تصوراً ، وذلك لتعذر إدراك وتصور اللامحدود واللامتناهي على الإنسان المحدود والمتناهي .
فالإنسان إنّما يدرك ما يحيط به من أشياء يسعه تجسيمها في فكره المحدود ، وبالطبع فان مثل هذه الموجودات محدودة . وعلى هذا الضوء فان اللَّه سيكون في مصاف المعدودات والأشياء القابلة للعدد ، لأنّ من لوازم المحدود هو إمكان تصور موجود آخر في موضع آخر مثله .
نفحات الولاية — صفحة 54
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٤