وهنا تطرح بعض الأسئلة نفسها من قبيل :
الأول : لم مدح الإمام عليه السلام نفسه والحال ورد الذم على ذلك كقوله
« تزكية المرء لنفسه قبيح »
. وللإجابة على هذا السؤال نقول : هنالك فارق بين مدح النفس والتعريف بها . فقد تكون الامّة أحيانا جاهلة بشخصية فرد ؛ الأمر الذي لا يجعلها تستفيد منه ومن طاقاته كما ينبغي فالتعريف بالشخص هنا سواء من قبله أو من قبل الآخرين ليس فقط لا ضير فيه فحسب ، بل هو عين الصواب والسبيل الصحيح للنجاة وهو بالضبط من قبيل تعريف الطبيب بمجال تخصصه الذي يضعه على الوصفة الطبية ، الأمر الذي يهدف إلى إرشاد المرضى في مراجعته ولا ينطوي على أي مديح للشخص .
السؤال الثاني : قوله عليه السلام :
« ينحدر عنّي السبيل ولا يرقى إليّ الطير »
هو زعم منه عليه السلام ليس أكثر فهل قام الدليل عليه ؟
يبدو أنّ الإجابة على هذا هي أوضح منها على السؤال الأول ؟ لان المقام العلمي الذي اختص به أمير المؤمنين علي عليه السلام ليس بخاف على من له أدنى اطلاع بتأريخ الإسلام والمسلمين .
فنا هيك عن تواتر الأحاديث النبوية الجمة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في فضل علمه وتصريحات العلماء الأعلام في أنّه مصدر كافة العلوم والمعارف الإسلامية وزعيمها « 1 » ، إلى جانب تصديه لأعقد المسائل التي كان يعجز عنها من سبقه من الخلفاء فان أدنى مطالعة لرسائلهخطبه وقصار كلماته التي جمعت في نهج البلاغة لكافية في الوقوف على هذه الحقيقة .
فلو تصفح كل إنسان منصفٍ - مسلما كان أم غير مسلم - نهج البلاغة لخضع متواضعا لعظمة الإمام ولعاش عملياً مفهوم قوله عليه السلام :
« ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير » .
السؤال الثالث : كيف يشكو عليه السلام الحوادث المرتبطة بالخلافة بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله ، ألا يتنافى ذلك ومفهوم الصبر والرضا والتسليم ؟
تبدو الإجابة على هذا السؤال سهلة يسيرة . فالصبر والرضا والتسليم موضوع ، وتبيين
هامش
( 1 ) لقد ذكر ابن أبي الحديد بحثا مفصلًا بهذا الشأن في شرحه لنهج البلاغة ، ثم تطرق إلى العلوم الإسلامية وشرح كيفية ارتباطها بعلم الإمام عليه السلام من الناحية التاريخية ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 17 - 20 ) .