أمّا بشأن مسألة الجبر والتفويض ، فقد ذهبت الجبرية - فرقة من الفرق الضالة - إلى أنّ الإنسان كائن مسلوب الإرادة والاختيار وأنّه مجبر على أفعاله المقدرة عليه على ضوء القضاء والقدر الإلهي فانّ قدر له الكفر كفر وإن قدر له الإيمان آمن .
بينما وقفت المفوضة التي رأت للإنسان استقلالا تاماً إزاء الذات الإلهية المقدسة ، فاعتقدت بانّ جميع الأفعال مفوضة للإنسان ، وهكذا هوت في وادي الشرك .
بينما تبنت مدرسة أهل البيت عليهم السلام إطروحة « الأمر بين الامرين » لتنفي مسألة الجبر والتفويض وتحذر المسلمين من الإفراط والتفريط الذي يقود إلى الكفر والشرك ، ومن هنا يتضح معنى كلام الإمام عليه السلام :
« إليهم يفيئى الغالي ، وبهم يلحق التالي »
فالعبارة تشبيه لطيف كأن هنالك قافلة يقودها عدد من الرواد الماهرين ، تقسم بعض الأفراد الذين يندفعون أكثر من غيرهم قدما فيضلون في الصحراء ، بينما يهن الآخرون ويتخلفون عن الركب فيصبحوا طعمة لذئاب الصحراء .
ثم يقول عليه السلام :
« ولهم خصائص الولاية »
. وتصدر الجملة بلهم تفيد اقتصار هذه المزية عليهم عليه السلام . وكيف لا يكونوا أصلح من الجميع وهم دعائم الدين وأركان اليقين الذين يمثلون الإسلام الأصيل الذي لا يعرف الإفراط والتفريط ، وهم النعمة الجارية على أفراد الامّة إلى يوم القيامة . ولذلك قال عليه السلام :
« وفيهم الوصية والوراثة » .
نستنتج ممّا سبق أنّ وصية النبي صلى الله عليه وآله بهم واستخلافهم من بعده إنّما تستند لمامر معناً سابقاً ، لا على أساس القرابة والنسب . ولا يخفى أنّ المراد بالوصية والوارثة هنا الخلافة والنبوة ، بل حتى لو افترضنا أنّ الوراثة هنا هي وراثة علوم النبي صلى الله عليه وآله - كما ذهب إلى ذلك البعض - فانّ الأمر سيقود بالتالي إلى جدارتهم باحراز هذا المقام ؛ لانّ خليفة النبي وإمام الخلق لابدّ أن يكون وارثاً لعلوم النبي صلى الله عليه وآله ، وأنّ خليفته هو وصيه ؛ فوراثة الأموال - كما نعلم - ليست بذات قيمة والوصية في الأمور الشخصية والاعتيادية لا تحظى بأية أهمية ، ولاشك أنّ أولئك الذين سعوا جاهدين لتفسير الوصية والوراثة بمثل هذه المعاني إنّما يكشفون عن مدى تعصبهماستنادهم إلى العناد والأفكار المسبقة .
فليس هنالك من مسألة مهمّة تنسجم وقوله عليه السلام :
« أساس الدين وعماد اليقين
نفحات الولاية — صفحة 204
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٠٤