الجاهلي قد صموا أبصارهم حتى عن رؤية هذه الحقيقة القائمة . ثم يؤكد هذه النتائج المرة التي أصيبوا بها آنذاك فيلخصها عليه السلام قائلًا :
« فانهارت « 1 » دعائمه وتنكرت معالمه ودرست « 2 » سبله
وعفت شركه « 3 » »
ولعل التعبير بالدعائم إشارة إلى أولياء الله ورواد سبيل الحق أو التعليمات الأصولية للأنبياء .
وقوله إنهارت تعود إلى القضاء على هذه الدعائم أو التعليمات ؛ والمعالم ممكن أن تكون إشارة إلى الكتب السماوية السابقة أو التعاليم النبوية ، كما أنّ المراد بالسبل والشرك طرق المعرفة سواء الطرق العقلائية والفطرية أو طريق الوحي والتعاليم السماوية .
النقطة الجديرة بالذكر هنا هي أنّ « الشرك » كما أشرنا سابقاً بمعنى الطريق الرئيسي .
فالطرق الصغيرة قد تكون عرضة للاهمال والنسيان في حين ليس الطريق الرئيسي كذلك ، مع ذلك ففي مثل هذا المجتمع وحتى الطرق الرئيسية قد فقدت وزالت غايتها في إرشاد المارة .
ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى أنّ الامّة وفي ظل هذه الشرائط والأوضاع قد وقعت في حبائل الشيطان واسلست له قيادها
« أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ووردوا مناهله « 4 » » .
ولم تكن نتيجة ذلك سوى ما قاله الإمام عليه السلام :
« بهم سارت « 5 » اعلامه ، وقام لواؤه »
. ثم قال عليه السلام :
« في فتن داستهم « 6 » باخفاقها « 7 » ووطئتهم بأظلافها « 8 » وقامت على سنابكها « 9 » » . « 10 »
والسؤال المطروح هنا : هل هذه الفتن هي تلك التي أشير لها سابقاً أم هي فتن أخرى ؛ يبدو أنّها الفتن المذكورة آنفا ، غير أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى تفاصيلها الأخرى ، حيث يشبه الإمام عليه السلام
هامش
( 1 ) « إنهارت » من مادة « الانهيار » بمعنى الاندراس والزوال .
( 2 ) « درست » من مادة « دروس » بمعنى إندثار آثار الشيء وزوالها .
( 3 ) « شرك » جمع « شركة » على وزن حسنه ، وقال البعض جمع أشراك بمعنى الطرق العامة .
( 4 ) « مناهل » جمع « منهل » بمعنى مورد النهى .
( 5 ) « سارت » من مادة « سور » بمعنى الرفع والاعلاء .
( 6 ) « داست » من مادة « دوس » و « دياس » بمعنى الهضم .
( 7 ) « أخفاف » جمع « خف » وهو للبعير كالقدم للإنسان .
( 8 ) . « أظلاف » جمع « ظلف » بالكسر للبقر والشاء وشبههما كالخف للبعير والقدم للإنسان .
( 9 ) « سنابك » جمع « سنبك » على وزن قنفذ بمعنى طرف الحافر .
( 10 ) يمكن أن تكون جملة « في فتن داستهم » متعلقة بمحذوف تقديره لا والناس في فتن داستهم » ، كما احتمل البعض أنّ الجار والمجرور متعلق بسارت في الجملة السابقة ويبدو الاحتمال الأول أقوى .