وعلى كلّ حال ، الحقّ في المسألة هذا القول ، والعمدة في الاستدلال عليه مضافاً إلى ما سبق هو الوجدان ، فإنّ الوجدان الفقهي حاكم بأنّ تبديل حكم حرمة المقدّمة إلى جوازها بل وجوبها منحصر فيما إذا أوصل المكلّف إلى ذي المقدّمة ، فمن دخل الدار المغصوبة ولم ينقذ الغريق فقد عصى ، ومن دخلها وأنقذ الغريق فقد أطاع وإمتثل .
ثمّ إنّ ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة لإثبات وجوب المقدّمة آنفاً لا ينافي ما اخترناه من وجوب المقدّمة الموصلة :
أمّا دليل الوجدان فلأنّه حاكم على أنّ الإنسان المريد لإتيان ذي المقدّمة إنّما يريد مقدّماته لإيصالها إلى ذيها .
وأمّا مقايسة التشريع بالتكوين فكذلك ، لأنّ المباشر لذي المقدّمة في الإرادة التكوينيّة إنّما يريد المقدّمات الّتي توصل إلى ذيها ، فليكن كذلك في الإرادة التشريعيّة .
وأمّا الأوامر الغيريّة الواردة في لسان الشرع فالقدر المتيقّن منها أيضاً وجوب الموصل من المقدّمات ، فالقدر المتيقّن من مفاد قوله تعالى : « فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه » ، إنّما هو وجوب السعي الموصل إلى ذكر اللَّه لا مطلق السعي .
أضف إلى ذلك ما مرّ بالنسبة إلى مقدّمة الواجب المحرّمة ذاتاً ؛ حيث قلنا إنّ حرمة المقدّمة إنّما ترتفع فيما إذا كانت المقدّمة موصلة فقط ، فكذلك في غيرها .
ثمرة القول بوجوب المقدّمة الموصلة
وقد ذكر لها عدّة ثمرات :
الثمرة الأولى : ما عرفت في المقدّمات المحرّمة كالدخول في الأرض المغصوبة لإنقاذ الغريق ؛ حيث إنّه إن قلنا بوجوب المقدّمة مطلقاً يصير الدخول فيها مباحاً وإن لم يقصد به الإنقاذ ولم يتحقّق بعده الإنقاذ ، وأمّا إن قلنا بوجوب خصوص