لكن الإنصاف إمكان دفع كليهما :
أمّا الإيراد الأوّل : فلأنّ المورد ليس مخصّصاً والآية مطلقة تعمّ السؤال عن أصول الدين وغيرها ، وتقييد بعض المصاديق بالعلم بدليل من الخارج لا يوجب تقييد سائر المصاديق به واعتباره فيها .
وأمّا الإيراد الثاني : فلأنّ قوله تعالى : « إِنْ كُنتُمْ لَاتَعْلَمُونَ » هو في مقام بيان الموضوع ، ومعنى الآية : « اسأل عند عدم العلم حتّى تكون لك الحجّة » كما إذا قيل :
« إن كنت لا تعلم دواء داءك فارجع إلى الطبيب » فليس معناه أنّ قول الطبيب يوجب العلم دائماً .
وبعبارة أخرى : تارةً يكون العلم موضوعاً وأخرى يكون غايةً ، وما نحن فيه من قبيل الأوّل ، ومعناها أنّ الموضوع للرجوع إلى البيّنة والقسم أو الموضوع للرجوع إلى الخبرة إنّما هو الجهل ، وهذا لا يعني حصول العلم بعد الرجوع دائماً .
سلّمنا كونه غاية ، لكن ليس المراد من العلم في المقام اليقين الفلسفي كما مرّ كراراً بل المراد منه هو العلم العرفي الذي يحصل من ناحية إقامة أيّة حجّة ، فإنّ العرف والعقلاء يعبّرون بالعلم في كلّ مورد قامت فيه الحجّة .
الأمر الثالث : الروايات الواردة في خصوص المقام ، وهي كثيرة إلى حدّ تغنينا عن البحث حول إسنادها .
منها : ما عن أبي جعفر عليه السلام :
« من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللَّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه » « 1 » .
فهو يدلّ بمفهومه على جواز الإفتاء بعلم ، ولا ريب في أنّ المقصود من العلم فيه إنّما هو الحجّة .
ومنها : ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام :
« أنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 4 ، ح 1