وهذا الأمر يثير مشكلة التوفيق بين الحكم الواقعي المشترك بين المخطئ والمصيب ، والحكم الظاهري الذي هو مفاد الأمارة ، لمحاذير عقليّة عديدة :
أحدها : اجتماع النقيضين في صورة عدم إصابة الظنّ للواقع ، واجتماع المثلين في صورة الإصابة ، وهذا بالنسبة إلى نفس الحكم .
ثانيها : اجتماع الضدّين في نفس المولى في صورة الخطأ وهو اجتماع الإرادة والكراهة ؛ لأنّ الأمر ينشأ من الإرادة والنهي ينشأ من الكراهة وهذا يكون بالنسبة إلى مبادئ الحكم .
ثالثها : اجتماع الضدّين من المصلحة والمفسدة في صورة الخطأ ، وهذا يكون بالنسبة إلى متعلّق الحكم .
رابعها : التكليف بما لا يطاق ، لأنّ الحكم الواقعي يكلّف الإنسان بالفعل في مفروض الكلام ، والظاهري يكلّفه بالترك مثلًا ، والأمر بهما يستحيل على الحكيم الخبير .
خامسها : الإلقاء في المفسدة وتفويت المصلحة في صورة الخطأ .
والشبهة المعروفة لابن قبة من أنّ جواز التعبّد بالظنّ موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال « 1 » لعلّها ترجع إلى بعض المحاذير المذكورة .
وهذه المحاذير مبنية على بقاء الحكم الواقعي المشترك بين الكلّ في مورد الأمارة ، كما هو الصحيح لأنّ ارتفاع الحكم الواقعي يستلزم « التصويب » الباطل عندنا .
وقد حاول جماعة من الأصحاب لرفع هذه المحاذير ، وكلّ سلك في حلّها طريقاً ، والمختار في حلّها ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله « 2 » ، ويرجع إليه كلام كثير من الأعلام ، وحاصله : أنّ العمل بالأمارة والتعبّد بها يتصوّر على وجهين :
هامش
( 1 ) . انظر : معارج الأصول ، ص 141 ؛ فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 105
( 2 ) . راجع فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 112