رغم الجهود الذي يبذلها أصحاب النزعة المادية لتصوير بنية الإنسان على أنّها شبيهة بالماكنة ، إلّاأنّ التحقيقات والدراسات ولاسيّما على الأصعدة النفسية للإنسان تدل على البون الشاسع بين هاتين البنيتين حتى أن البعض تناسى مثل هذا التشبيه .
فإحدى خصائص الإنسان ومميزاته هي تعذر مواصلته لحياته مالم يكن له هدف وعقيدة ، أو بعبارة أخرى دون أن يستند إلى آيديولوجية ، والحال لا تحتاج الماكنة في إدامتها لحركتها لفكر أو آيديولوجية .
هذه أبرز خاصية من خصائص الإنسان ، بحيث لو تخلينا عن التعريف المنطقي المعروف للإنسان بأنّه « حيوان ناطق » وقلنا الإنسان حيوان متفكر وصاحب عقيدة ، لكان هذا التعريف أتمّ وأشمل ، وإن إستندت تفسيرات الفلاسفة بشأن النطق إلى مسألة الفكر والإدراك ، على كل حال كما يحتاج جسم الإنسان إلى الماء والغذاء ، فإنّ ماء الروح وغذائها هو الفكر والعقيدة ، ومن هنا يشعر كل إنسان بحاجته الطبيعية إلى امتلاك أسلوب من التفكير واتباع مدرسة فكرية ، وإلّا فهو يشعر بداخله بفقر مخيف دون ذلك .
وعليه فإن تعذر عليه الظفر بالمدرسة الفكرية الصحيحة ، اضطر إلى ملء هذا الفقر بما شاء من الأوهام والخرافات والأساطير ، وهذا
سر الوجود — صفحة 41
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤١