كل سورة وآية بمجرّد نزولها وكانت تحفظ بين المسلمين . ولعل أبرز أولئك الشغفين بالقرآن علي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت ، فكانت هنالك عدّة نسخ من القرآن بيد المسلمين بعد تدوينه من هؤلاء الأفراد .
أضف إلى ذلك فإنّ أغلب المسلمين كانوا يحفظون الآيات والسور القرآنية ، وكانوا دقيقين في الحفظ . وكان يطلق على البعض منهم القراء الذين يرجع إليهم المسلمون في القراءة . وموضوع حفظ القرآن من التحريف كان على درجة من الأهمية بحيث قتل العديد من القراء على عهد خلافة أبي بكر في معركة اليمامة فعزم المسلمون على التركيز أكثر على القرآن ، فجمعوا القرآن وحالوا دون وقوع الزيادة والنقيصة فيه . وفي زمن خلافة عثمان بن عفان دونت أربع نسخ من القرآن وابلغت المناطق الإسلامية كافّة بتطبيق ما لديها من قرآن على هذه النسخ .
وقد بلغ حرص المسلمين ولا سيما القراء درجة أن نشب خلاف بين أبي بن كعب وعثمان على عهد خلافته بشأن الآية : « وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » « 1 » حيث زعم عثمان زيادة حرف الواو في الذين ولابدّ من اسقاطها ، فأجابه أبي إننا سمعناها من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كذلك ، وحين تشاجرا صرخ أبي : لأضعن سيفي في عنق كل من يسقط هذا الحرف من القرآن ، فتراجع الخليفة عن رأيه .
فهل ينبغي احتمال وقوع التحريف في القرآن بعد كل هذا ؟ ناهيك عمّا سبق فقد صرحت بعض الآيات القرآنية بحفظ القرآن من التحريف ومنها : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » « 2 » .
وقد أجمع العلماء والمفكرون على عدم وقوع التحريف في القرآن ، وإن كان هنالك من يزعم التحريف فذلك ناشئ من بعض الأخبار الموضوعة ، وإلّا فليس هنالك أية قرينة في القرآن على هذا الزعم . على كل حال فإن أعلامنا أثبتوا بما لا يقبل الشك عدم تحريف القرآن .
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية 34 .
( 2 ) سورة الحجر ، الآية 9 .