العاشرة أو الحادية عشرة من العمر وجد نفسه - دخل الأسرة - بين نزعتين متخالفتين تتجاذبانه نحو منحيين متغايرين في التخطيط لمستقبله ، فمن جانب كانت والدته تحثه على الدراسة في الحوزة واختيار حياة الطلبة ، ومن جانب آخر كان المرحوم السيد محمد الصدر ( 1 ) يرغبه في مستقبل يضمن فيه سعادة دنياه والعيش في رفاه ودعة بعيدا عن حياة الحوزة وما يكتنفها من فقر وفاقة .
أما السيد الشهيد فقد وقف موقفا عمليا حسم به ذلك التجاذب وأشعر تلك الأطراف التي تقاطعت رغباتها بمستقبله بواقع ما يطمح إليه ، فقد أضرب تقريبا عن الطعام من دون إعلان ، واكتفى من الطعام بقطعة صغيرة من الخبز يسد بها رمقه طوال الليل والنهار .
بعد أيام أحس الجميع - بالإضراب الهادئ فسألوه عن السبب فقال : إن الذي يستطيع أن يعيش على قطعة صغيرة من الخبز أياما عديدة لهو قادر على أن يستمر إلى آخر العمر كذلك ، فأنا لا أخشى من الفقر ولا أخاف من الجوع .
واستطاع ان يقنع الجميع بصوب رأيه بالالتحاق بالحوزة العلمية والانخراط في صفوف ورثة الأنبياء رغم ما قد يواجهه من صعوبة الحياة وجدب العيش فيها ، وأثبت أن إرادته في اختيار هذا الطريق إرادة لا يزعزعها شئ .
وقد حدثني ( رضوان الله عليه ) عن هذه المرحلة من حياته فقال :
( إن المرحوم السيد محمد الصدر رئيس وزراء العراق آنذاك - كان يصطحبني معه إلى مزرعته خارج بغداد على ظهر جواد له ، فكان يمنّيني بمنصب كبير في الدولة وبحياة ناعمة مرفهة إن أنا واصلت دراستي في المدارس الحكوميّة ، فقلت له : إن حياة الحوزة والدراسة فيها هي خياري الوحيد ، وإن قناعتي في ذلك تامة رغم حاجتي للمال . )
( 1 ) كان رئيساً للوزراء ولمجلس النواب في الحكومات المتعاقبة في العراق .
الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار — صفحة 44
مساهمون: الشيخ محمد رضا النعماني
ص٤٤