المطعم والملبس ونحوهما من المبتذلات وان كانت إفرادها متفاوتة في ذلك تفاوتا فاحشا ثم المنكح ثم الجاه ثم العلم ويعرف هذا الترتيب المطابق لترتيبها في الوجود الخارجي بترك الأدنى واستحقاره عند وجدان الأعلى فإن الصبي المشعوف بالمطاعم الطيبة إذا ظهرت فيه غريزة النكاح انصرف همه اليه وقل التفاته إليها ثم إذا أدرك لذة الرئاسة والسلطنة على القلوب اعرض عن الأوليين بحيث انه ربما يذهل عن الأكل والاشتغال بالنساء أياما لاشتغال قلبه بتدبير أمور الرئاسة وإصلاح الجاه فإذا أدرك لذة العلم والمعرفة أعرض عن جميع ذلك واستطاب الجوع ومتاركة النساء ومقاساة الذل والخدمة والتملق في تحصيله وكلما ظفر بشيء منه ازداد شوقه إلى شيء آخر حتى يأتيه اليقين واستكراه البعض من الجهال العلم انما هو للنقص المركوز فيهم المقصر بهم عن ادراك لذته لا لكونه مؤلما كريها في نفسه وهو كاستكراه المريض المطعم بسبب آفة مزاجه وانحرافه عن الاعتدال والصبي والعنين المنكح بسبب قصورهما عن إدراكه فلا يقدح ذلك فيما أطبق عليه العقلاء كافة من الحكم بكونهما موافقين لذيذين لان المناط الطباع الكاملة السليمة وهي متوافقة على شرف العلم بقول مطلق فإنه من أخص صفات الربوبية وهي منتهى الكمال ومن ثمة يرتاح الطبع إذا اثنى عليه بالذكاء وغزارة العلم ويلتذ بذلك والذي ينسب إلى العلم ولو في شيء خسيس يفرح به والعالم بالشطرنج على خسته لا يطيق السكوت عنه إذا جرى ذكره ولو كان من علماء الدين الذين لا يليق بهم التكلم في أمثاله كل ذلك لفرط لذة العلم وما يستشعره من كمال ذاته به وأنواع العلوم وان كانت متفاضلة في الشرف الا انه لا ريب ان العلم به تعالى أشرف أنواع العلم إذ شرفه اما بشرف المعلوم أو الغاية أو وثاقة الدليل أو شدة الحاجة وكلها مجتمعة في العلم الإلهي على الوجه الأكمل وانما اقتصر المصنف على الأول لأنه أقواها ومن ثمة يكون علم الفتوى أشرف من علم الخياطة فإن المعلوم في الأول الأحكام الشرعية وفي الثاني كيفية الوصل بين قطعات الكرباس ليلبس والمتطلع على اسرار الناس الفاحص عنها ان علم بواطن أحوال رئيس البلد واسرار تدبيره في رئاسته كان ذلك أجل وأطيب عنده من علمه بباطن أحوال حائك أو فلاح فان اطلع على أخص أحوال الوزير وما هو عازم عليه من التدبير في أمور الوزارة فهو أشهى عنده والذفان حصل له الوقوف على اسرار الملك تمدح بذلك وكان شغفه والتذاذه به أعظم لأن الملك أجل من الوزير وأعلى فالمعرفة
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية — صفحة 217
مساهمون: السيد عبد الله الجزائري
ص٢١٧