ما كان يشغلها عن غيره كائنا ما كان وكلما كان الاستهتار أكثر وأقوى كان الاشتغال أكمل وأوفى والآخر ان يحس به ويدرك شدة ألمه لكن يهون عليه العلم يجزأ له الثواب الموعود عليه الشدة لأنه أعظم فيرضى به بل يرغب اليه بعقله وان كرهه بطبعه كما يتفق للمريض والتاجر المتحملين بالرغبة والطلب شدة الحجامة والسفر مع إدراكها والإحساس بها شوقا إلى ما ياملانه من نعيم العافية وعظيم الربح فهذه حاله الراضي فيما يجرى عليه من الألم ثقة بثواب اللَّه فيفوض امره إلى اللّه ان اللّه بصير بالعباد كما يفوض الصبي الموفق امره إلى الوالد الشفيق متوكلا عليه فيما يسوسه به ويصرفه عنه واليه يقينا برأفته وكرامته فان الرضا والتوكل متتاخمان وقد يغلب الحب بحيث لا يلاحظ الثواب الذي يجازى به عليه بل يكون حظ المحب في مراد الحبيب ورضاه لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده مطلوبا لديه وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم وهذا أحد الوجوه في قول من قال المجاز قنطرة الحقيقة
[ باب الشكر ]
باب الشكر - وهو كغيره من المقامات الدينية ينتظم من علم هو كالأصل وحال هو كالشجرة وعمل هو كالثمرة فالعلم هو عرفان النعمة من المنعم والحال هو الفرح به من غير بطر والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه وهو استعمالها في طاعته ورضاه فمن عرف ان النعم كلها من اللّه وانه هو المنعم الحقيقي والوسائط مسخرون من جهته كالآلات وفرح بما يصل اليه منها مع هيئة الخضوع والتواضع وتوصل بها إلى التقرب اليه والتعرض لمراضيه والتجنب عن مساخطه ومناهيه فهو شكور فإن كان فرحه بها من حيث إنها وسيلة له إلى القرب منه تعالى والزلفى لديه وعلامته ان يكون فرحه من الدنيا بما كان مزرعة الآخرة فهذا غاية الشكر ومثال ذلك من أنعم عليه الملك بفرس فربما يكون فرحه بالفرس من حيث إنه مال حصل له مثل ما لو كان قد حصل له هذا المقدار من المال من غير جهة الملك وهذا دون المراتب وربما يكون فرحه بفرس الملك أعظم من حيث إنها عطية الملك وعلامة العناية وهذه فوق الأولى والأعلى ان يكون فرحه بها من حيث إنه يسرع بركوبها في تقديم خدمات الملك والسعي في امتثال أوامره ويتسهل له بها مرافقته في الاسفار وإذا خرج للاصطياد ونحوه فيدوم له الاحتظاء بالصحبة والانخراط في سلك المقربين فيترشح بذلك لمرتبة أخرى من الكرامة فوق عطاء الفرس