على ما ذكر في باب الفقر الإفضاء إلى المهلكات كالكبر والكذب والعداوة وحب الدنيا واقتحام الشبهة في المأخذ والمصرف والحاجة إلى الناس فإن أغنى الناس أحوجهم إليهم والشغل عن الطاعة قبل حصوله وبعده بالكسب والحفظ والاستنماء ودفع الحساد واسترضاء الخصوم مع احتمال المشاق البدنية والنفسانية ومقاساة الاخطار والأهوال في القفار والبحار وغير ذلك مما لا يحصى والقانع في سلامة من جميع ذلك واعلم أن المصنف في باب ذمائم القلب اعتبر السخاء ضد البخل والسرف جميعا إشارة إلى أنه الاقتصاد بينهما وقد عد في أحاديث الجنود وضدا للبخل كما قدمنا وهو المناسب للرسم فيندرج فيه كثير من المفهومات المتشاركة في مضادة البخل اعني إمساك ما يجب بذله وان كانت متفارقه من وجوه أخر مقتضيه لان يوضع لكل منها اسم مخصوص ويحكم عليه بما يناسبه من مدح أو ذم وربما قيل في بعضها بالترادف وهي الجود والكرم والإيثار والتبذير والإسراف والتسخى والمروة وبيان ذلك من الفوائد المناسبة للباب ف السخاوة تفارق الجود بأنه بذل قبل السؤال بخلافها فإنها بعده فيتفارقان كليا أو قد تكون بعده فهو أخص مطلقا وقيل هو الصفة الذاتية وهي المكتسبة أو أعم منهما فهو أبلغ منها أو أبلغها ومن ثم يوصف تعالى بالجود دون السخاوة لأنه المبتدئ بالنعم قيل السؤال بالذات وقيل إنهما مترادفان وعليه يحمل ما في بعض الأدعية المأثورة من وصفه سبحانه بها والكرم بأنه أبلغ اما في الواجب العرفي ففي الكم والكيف جميعا واما في الشرعي ففي الكيف فقط إذ لا يعقل المبالغة في مقداره وقد اعتبره المصنف ثمة ضدا للشح المطاع وقيل بالترادف أيضا والإيثار بأنه بذل مع الاحتياج إلى المبذول فهو أخص أيضا لأنه مرتبتها العالية حيث إن المؤثر يبذل لغيره ما يحتاج اليه نفسه وبإزائها في مراتب البخل مرتبة من يبخل على نفسه مع الحاجة فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها الا البخل بالثمن ولو وجدها مجانا لأكلها لكنه خارج عن الرسم لان بذل المحتاج اليه غير واجب شرعا ولا مروة فيتباينان أيضا وكيف كان ف هو الأفضل فهو من ثلاث خصال يستكمل بها الايمان روى ذلك صاحب الأحياء مرسلا قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله لا يستكمل العبد الايمان حتى يكون فيه ثلاث خصال الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسه وبذل السلام . وفي حديث الوصية ( الفقيه ) ثلاث من حقائق الإيمان الإنفاق من الإقتار وإنصافك الناس من نفسك وبذل العلم للمتعلم .
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية — صفحة 170
مساهمون: السيد عبد الله الجزائري
ص١٧٠