محمودة فاضله وهم قليلون وقسم يوجد فيهم أخلاق مذمومة وهم كثيرون وقسم لا يوجد فيهم شيء منهما وانما يكتسبونها بعد التمييز بالعادات وهم الأكثرون وهؤلاء فاقدون للأخلاق الشخصية وانما أخلاقهم كلها عادية وقد عرفت فائدة تهذيب الأخلاق فيها واما القسم الأول ففائدته فيهم تقوية الملكات المحمودة وزيادة الخير واما المجبولون على الملكات المذمومة فلا ننازع في أنه لا مطمع في إزالتها عنهم لكن لا نسلم انتفاء الفائدة في حقهم إذ لو لم تجاهد وتدافع أخلاقهم المذمومة تكون الأفعال الصادرة عنهم جارية بحسب اقتضائها فتتعاضد العادة والطبيعية جميعا وتقوى الذميمة جدا بخلاف ما إذا جوهدت بالمخالفة وإجراء العادة على ما يضادها فإن العادة حينئذ تعاوق الطبيعة وتمانعها وينتقص الشر فان الصفراوي الغضوب مثلا لو خلى وطبعه لتكرر منه الغضب لوجود المقتضى وفقد المانع كما هو المفروض فتصير الذميمة الطبيعية عادية ويعظم الخطب اما لو تأدب بالرياضة والتهذيب على خلاف مقتضى الطبع فان المانع يضعف أثر المقتضي فالفائدة في هذا القسم موجودة أيضا وهي تنقيص الشر ولو فرض أن أفراد النادرة من الذمائم الطبيعية الشديدة الرسوخ يتعذر الخلوص عن مقتضاها في بعض الأفراد النادرة من الناس لم يكن ذلك قادحا فيما يشتمل على مصلحة الأكثرين كما أن تعذر معالجة بعض الأمراض في بعض المرضى ليس قادحا في علم الطب ولا مقتضيا لبطلانه إذ يكفي في صحته إمكان معالجة بعض الأمراض في بعض المرضى ولا يتوقف على إمكان معالجة جميعها في جميعهم فان قلت فعلى هذا لا يحسن تكليف كل فرد من افراد الناس بتهذيب كل فرد من افراد الأخلاق إذ يحتمل كونه مما يتعذر تهذيبه قلت كل فرد من افراد الأخلاق لا قطع عليه بأنه مما يتعذر تهذيبه فهو في مرتبة الاحتمال والافراد الغالبة ممكنة التهذيب فيقوى الحاقه بها فيحسن التكليف وبما قررناه ظهر لك حال أدلة الطرفين وهو من الأمر بين الأمرين والرذائل يجر بعضها بعضا فان الشر في شهوة البطن مثلا يؤدى غالبا إلى الشبق وتشتد الحاجة إلى المال لتفويم المأكول والمنكوح ويحصل الحرص والبخل وإلى الجاه لتحصيل المال وحفظه ويولد منه العجب والكبر والحقد والحسد والغضب والغرور والرئاء والنفاق وغير ذلك وكما أن جرائم الجوارح قلما يتفق ان يخرج شيء منها إلى الوجود الا مكشفا بأمثاله من الذنوب فان الزنا مثلا لا يكاد يقع غالبا الا مسبوقا بالنظر والمراودة والملامسة والمضاجعة والتقبيل
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية — صفحة 113
مساهمون: السيد عبد الله الجزائري
ص١١٣