وجودا وسيعا غير مقدر في خزائنه وإنما يلحقه الأقدار إذا نزله إلى الدنيا مثلا ،
فللعالم الإنساني على سعته سابق وجود عنده تعالى في خزائنه ، أنزله إلى
هذه النشأة .
وأثبت بقوله : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . فسبحان الذي بيده
ملكوت كل شئ . يس - 83 ، وقوله : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر . القمر - 50 ، وما
يشابههما من الآيات .
أن هذا الوجود التدريجي الذي للأشياء ومنها الإنسان هو أمر من الله يفيضه على
الشئ ويلقيه إليه بكلمة كن ، إفاضة دفعية وإلقاء غير تدريجي .
فلوجود هذه الأشياء وجهان :
وجه إلى الدنيا وحكمه أن يحصل بالخروج من القوة إلى الفعل تدريجا ومن العدم
إلى الوجود شيئا فشيئا ، ويظهر ناقصا ثم ولولا
يزال يتكامل حتى يفنى ويرجع إلى ربه .
ووجه إلى الله سبحانه وهي بحسب هذا الوجه أمور تدريجية ، وكل ما لها فهو لها
في أول وجودها من غير أن تحتمل قوة تسوقها إلى الفعل .
وهذا الوجه غير الوجه السابق وإن كانا وجهين لشئ واحد ، وحكمه غير حكمه
وإن كان تصوره التام يحتاج إلى لطف قريحة ، وقد شرحناه في الأبحاث السابقة
بعض الشرح ، وسيجئ إن شاء الله استيفاء الكلام في شرحه .
ومقتضى هذه الآيات أن للعالم الإنساني على ما له من السعة وجودا جميعا عند
الله سبحانه ، وهو الذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده ولولا
يغيب فيها بعضهم
عن بعض ولا يغيبون فيه عن ربهم ولا هو يغيب عنهم ، وكيف يغيب فعل عن فاعله
أو ينقطع صنع عن صانعه ، وهذا هو الذي يسميه الله سبحانه بالملكوت ، ويقول :
وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين . الأنعام - 75
ويشير إليه بقوله : كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين .
التكاثر - 7 .
العقائد الإسلامية — صفحة 54
مساهمون: مركز المصطفى ( ص )
ص٥٤