الوزير المذكور ، فقدمت سكباجة ، فوافقت أبا الفرج سعلة ، فبدرت من فمه قطعة بلغم وقعت في وسط السكباجة . فقال الوزير : ارفعوها و هاتوا من هذا اللّون بعينه في غير هذه الغضارة ، و لم يبين علّته ؛ و لا ظهر في وجهه إنكار ، و لا داخل أبا الفرج استحياء و لا انقباض ، مع أنّ الوزير كان من الصلف بحيث إذا أراد أكل شيء بملعقة وقف من الجانب الأيمن غلام معه ثلثون ملعقة زجاجا مجرورا ، فيأخذ ملعقة و يأكل بها لقمة واحدة ، و ناولها لغلام آخر واقف على يساره ، ثم يتناول ملعقة أخرى جديدة و يأكل بها لقمة واحدة ، ثم يدفعها إلى الغلام الذي على يساره ، حتى لا يدخل الملعقة في فمه مرّة أخرى ، و كان مع هذه الحالة يصبر على مؤاكلة أبي الفرج و يحتمله ؛ لأدبه و محادثته « 1 » . انتهى .
و له هذا الشعر أنشده للوزير ، حين تحرز من الأكل معه لبشاعته و قذارة ثوبه و إن نسب بعضهم إلى المتنبى :
أبعين مفتقر إليك نظرتنى * فكأنّما ألقيتنى من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأننى * أنزلت أمالى به غير الخالق
أقول : و لا غرو من تحمل الوزير من أبي الفرج ما ذكر لأدبه و علمه . فقد روى ابو الفرج المذكور في الأغاني في ترجمة العتابي ، و هو كلثوم بن عمرو بن أيوب الشاعر البليغ المترسل المطبوع المقدم من شعراء الدولة العباسية عن المفضل ، قال : رأيت العتابي جالسا بين يدي المأمون ، و قد أسن ، فلما أراد القيام قام المأمون فأخذ بيده و اعتمد الشيخ على المأمون ، فما زال ينهضه رويدا حتى أقله ، فنهض فعجبت من ذلك و قلت لبعض الخدم :
ما أسوء أدب هذا الشيخ ، فمن هو ؟ قال : العتابي .
و قال صاحب كتاب آداب اللغة العربية في شعراء العصر العباسي الأول : و قد تبسط شعراء ذلك العصر في العيش و توسعوا في مظاهر الأبهة فكان لأبي تمام و البحتري قهارمة و كتاب و بلغ من دالة أبي نواس على الرشيد أنه كان يمر به بنو هاشم و القواد و الكتاب
هامش
العامل المشهور عند الجمهور ، انه ماتت له قطة بحماة ، و دفنها و لما جاء إلى دمشق نقل عظامها فى كيس و دفنها فى كيس بقاسيون . و القاسون الجبل المشرف على مدينة دمشق فيه عدة مقابر برى فيه آثار الصالحين و فيه ايضا سيف الدين المذكور ( منه رحمه اللّه ) . درباره سيف الدين آمدى ر . ك : طبقات الفقهاء الشافعيه از ابن قاضى شهبة ، ج 1 ، ص 397
( 1 ) . روضات الجنات ، ج 5 ، ص 224