برزتم للواحد القهّار ، وقد زاحت عنكم الأباطيل ، واضمحلّت عنكم العلل ، واستحقّكم « 1 » الحقائق ، وصدرت بكم الأمور مصادرها ،
وَلا يَسْئَلُ
يومئذ
حَمِيمٌ حَمِيماً
، ذلك يوم طويل المدّة ، يوم
كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً
، ذلك يوم
تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
، وتذهل فيه العقول ، وتظهر فيه الدّواهي ، فمن سالم ناج ، ومكردس هاو « 2 » في النّار
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
» .
( 126 ) قال [ الراوي ] : وانصرف [ أمير المؤمنين ] يومه [ ذلك ] « 3 » ، فلمّا كان من الغد صلّى بهم الفجر ، واجتمع إليه الناس ، فقام خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال :
الحمد للّه الذي ابتدأ الأمور بقدرته ، وفصل بينها بعزّته ، وأمضاها بمشيئته ،
لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
، ولا رادّ لقضائه ، [ و ] لا يمتنع منه شيء يريده ؛ ولا يفوته شيء يطلبه ،
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
.
عباد اللّه ، إنّ أحقّ من اتّبع كلامه ، وحفظ وصيّته ، وعمل بأمر [ ه ] ،
اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
العليّ الجبّار ، علّام السّرّ وأخفى ، الذي منّ علينا بمعالم الدّين ، واحتجّ علينا بالقرآن العظيم ، يدين بالحقّ
وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ
.
ألا « 4 » فاذكروا هادم اللّذات ، ومنغّص الشّهوات ، وقاطع الأمنيات ، عند المساورة للأعمال « 5 » القبيحة ، [ و ] استعيذوا باللّه من غمزات الشّياطين ، واستعينوا على أداء واجب حقّه [ و ] على « 6 » ما لا يحصى من معدود نعمته وكرامته .
واحذروا ما حذّركم اللّه سبحانه ممّا لا يدوم نعيمه ، ولا ينجو سليمه ، ولا يتمّ لأحد سروره ، ولا يؤمن فجائعه وروعاته وسوآته . واحذروا ما قد علمتم أنّ غايته إلى زوال ، واعملوا بالصّبر ، واعتبروا بالعبر ومزاجر النذر في مواطن الدّهر ، فإنّ من فعل
هامش
( 1 ) . وفي نهج البلاغة : « واستحقّت بكم الحقائق » وهكذا في جواهر المطالب ، لابن الدمشقي الشافعي 1 : 309 .
( 2 ) . في القاموس : المكردس : الملزّز الخلق ، أي : منضمّا بعضه إلى بعض .
( 3 ) . هذا هو الظاهر المناسب لما تقدّم ، وفي الأصل : « وانصرف يوما » .
( 4 ) . من هنا ورد في ذيل خطبة له ع في نهج البلاغة برقم 99 إلى قوله : « وما لا يحصى من » .
( 5 ) . في النسخة : « المشاورة بالأعمال » .
( 6 ) . وكتب الكاتب فوقها « بما » ظ .