ثانياً : الحكم
باعتبار أنَّ الشك في الحجّية عين القطع بعدمها « 1 » ، فما شكَّ في حجّيته يجوز إسناد عدم حجّيته إلى الشرع « 2 » ؛ وذلك لأنَّ الإسناد من آثار الحجّية ، وعند انعدام الحجّية أو الشك فيها لا تترتَّب الآثار « 3 » .
ولا ترديد في حرمة إسناد مؤدَّى الأمارة إلى الشارع عند الشك في حجّيتها ؛ لأنَّه تشريع عملي وقولي دلَّت على حرمته الأدلَّة الأربعة ( الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ) « 4 » .
كما لا شكَّ في صحَّة الإسناد إذا كان الحكم مقطوعاً به ؛ لأنَّه إسناد بعلم « 5 » ، ولا شكَّ في جواز إسناد الحكم الظاهري إلى المولى بعنوان كونه ظاهرياً ، والإشكال في إسناد الحكم الواقعي الذي تحكيه الأمارة « 6 » .
دليل القائلين بعدم جواز الإسناد
يرى بعض مثل الشيخ الآخوند عدم جواز الإسناد ؛ بدليل عدم التلازم بين حجّية الظنّ عقلًا وصحَّة نسبة مؤداه إليه تعالى ، فإنَّ صحَّة النسبة ليست من آثار الحجّية ؛ لأنَّ حجّية الظن عقلًا لا توجب صحَّة النسبة ولا علاقة بينهما « 7 » .
رأي الشيخ الآخوند يعتمد مبناه في أنَّ المجعول في باب الأمارات هو التنجيز والتعذير ، وهذا لا يلازم ثبوت المؤدَّى وكونه حكماً شرعياً ، لا حقيقةً ولا تعبُّداً ، حتَّى يستند إلى الشارع ، فلا يجوز إسناده « 8 » .
ردَّ المحقّق النائيني القول بعدم الجواز من خلال قوله :
بأنَّ الظنَّ إذا أصبح حجّة فيكون حاله حال العلم ، فإذا صحَّ الإسناد حال العلم صحَّ كذلك حال الظنّ الذي ثبتت حجّيته ، وصحة إسناد مؤدَّى الأمارة إلى الشارع من اللوازم التي لا تنفكُّ عن حجِّيتها ، ولا يعقل التفكيك بينهما ، وجعل الحجّية للظنّ يعني اكتفاء الشارع به كبديل للعلم دون التفريق بين اللوازم . ولذلك اعتبر من المشكل القول بتحريم الإسناد هنا « 9 » .
هذا بالإضافة إلى أنّ الشك في الحجّية لا ينفي جميع آثار الحجّية ، ورغم أنَّ الآثار العقلية لها - كالتعذير والتنجيز - واضحة الانتفاء ، إلَّاأنَّ الإخبار والإسناد غير واضح الانتفاء ؛ لكونه يرجع إلى الشبهة الموضوعية الجارية فيها أصول الحلّ والبراءة . . . « 10 » .
دليل القائلين بجواز الإسناد
يرى أغلب الأصوليين أنَّه إذا ثبتت الحجّية لدليل فلا شكَّ في صحّة إسناد مؤدَّاه ؛ باعتباره من آثار الحجّية ، ويبدو من كلمات الأصوليين أنّ هناك علاقة بين الاثنين ، فإنّه لايصحّ الإسناد إلّامع الحجّية ، كما أنَّ عدم صحَّة الإسناد يكشف عن عدم الحجّية « 11 » . وقد
هامش
( 1 ) . تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 91 .
( 2 ) . تحريرات في الأصول 6 : 283 .
( 3 ) . المصدر السابق : 290 .
( 4 ) . مصباح الأصول 2 : 111 ، زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 97 .
( 5 ) . دروس في علم الأصول 1 : 210 .
( 6 ) . المصدر السابق .
( 7 ) . كفاية الأصول : 280 .
( 8 ) . زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 98 .
( 9 ) . فوائد الأصول 3 : 122 - 123 ، وانظر : تحريرات في الأصول 6 : 272 .
( 10 ) . تحريرات في الأصول 6 : 271 .
( 11 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 112 - 113 ، دروس في علم الأصول 1 : 210 ، زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 98 .