وفي جريان هذا الاستصحاب ثلاثة احتمالات :
الأوَّل : جريانه مطلقاً ؛ باعتبار اليقين السابق والشكّ في الارتفاع ، ولايضرُّ العلم بارتفاع بعض وجودات الكلّي والشكّ في حدوث وجودات أخرى ، فإنَّ ذلك يمنع من إجراء الاستصحاب في الأفراد دون الكلّي « 1 » ، ولا نعرف من يقول بهذا الرأي « 2 » .
الثاني : عدم جريانه مطلقاً ؛ باعتبار أنَّ بقاء الكلّي في الخارج عبارة عن استمرار وجوده الخارجي المتيقّن سابقاً ، وهو معلوم العدم ، فلا شكّ هنا « 3 » .
وهذا الرأي هو المعروف بين الأصوليين « 4 » .
الثالث : التفصيل بين القسمين ، فيجري في الأول دون الثاني ؛ لاحتمال كون الثابت في الآن اللاحق هو عين الموجود سابقاً ، فيتردَّد المعلوم سابقاً بين أن يكون وجوده الخارجي على نحو لا يرتفع بارتفاع الفرد المعلوم ارتفاعه ، وأن يكون على نحو يرتفع بارتفاع ذلك الفرد ، فالشكّ حقيقة إنَّما هو في مقدار استعداد ذلك الكلّي للبقاء واستصحاب عدم حدوث الفرد المشكوك لا يُثبت تعيين استعداد الكلّي .
ويستثنى من عدم الجريان في الثاني ما يتسامح فيه العرف ، فيعدّون الفرد اللاحق مع الفرد السابق كالمستمر الواحد ، مثل ما لو علم السواد الشديد في محلٍّ وشكّ في تبدّله بالبياض أو بسواد أضعف من الأوَّل ، فإنَّه يُستصحب السواد .
وهذا الرأي للشيخ الأنصاري « 5 » .
20 - استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي
وهو استصحاب حكم دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه ، كالملك عند جريان العقد المملِّك ، وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام ، وكذلك الحكم بتكرُّر اللزوم والوجوب إذا تكرَّرت أسبابها ، كتكرُّر شهر رمضان وأوقات الصلوات ونفقات الأقارب عند تكرُّر الحاجات « 6 » .
لم يتنازع الفقهاء في هذا النوع وإنَّما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين ، مثاله : أنَّ مالك منع الرجل - إذا شكَّ هل أحدث أم لا - من الصلاة حتَّى يتوضَّأ ، فاستصحاب الطهارة هنا متعارض مع لزوم تحصيل اليقين بالطهارة للدخول في الصلاة ، ولايتحصَّل اليقين الأخير مع فرض الشكّ في الطهارة ، كما هو فرض الاستصحاب ، فتبقى الصلاة في ذمته لايفرغ منها حتى يحصِّل اتيانها بطهارة يقينيّة « 7 » .
رابعاً : الحكم
ويقع البحث في أمور :
الأمر الأول : الأقوال في حجّية الاستصحاب
وردت عدّة أقوال في حجّية الاستصحاب ، هي :
القول الأول : حجّيته مطلقاً
الدليل الأوَّل : السنّة
هامش
( 1 ) . فرائد الأصول 3 : 195 .
( 2 ) . أنوار الأصول 3 : 348 .
( 3 ) . فرائد الأصول 3 : 195 .
( 4 ) . انظر : أنوار الأصول 3 : 348 .
( 5 ) . فرائد الأصول 3 : 196 .
( 6 ) . المستصفى 1 : 238 ، وانظر : نضد القواعد الفقهية : 63 ، القواعد والفوائد 1 : 133 ، تمهيد القواعد : 271 ، الوافية : 217 .
( 7 ) . أعلام الموقّعين 1 : 340 .