مقدّمة المشرف
الحمد للّه ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، وصحبه المنتجبين .
وبعد ، فإنَّ لعلم الأصول دوراً واضحاً وبالغاً في ميدان الفقه ، على مستوى توفير المعلومات ، وتأسيس القواعد التي يمكن أن تحدّد مجراها في الفقه وفي استنباط الأحكام ، وهو ما يؤكّد على أنّ حاجة المجتهد لأصول الفقه تفوق حاجته لأيّ علم آخر في نطاق عمله .
وتكفينا الإشارة هنا إلى وجود فائدتين مهمّتين ، هما :
الأولى : جعل الاستنباط عملية ذات نظام ، ووفق ضوابط محدّدة تمنع المستنبط من الزلل والوقوع في الاشتباه والخطأ .
الثانية : جعل الاستنباط في إطار أكثر فنّيّة وموضوعيّة ، وتاريخ الاجتهاد يكشف عن أنّ الاجتهاد أضحى أكثر دقّة ونضجاً بعد تدوين الأصول عمّا كان عليه الوضع قبل التدوين .
ومن خلال بيان العلاقة بين الأصول وعملية الاستنباط ، تظهر لنا الوظائف الملقاة على عاتق الأصول في هذا الإطار ، ولعلّ أهمّها :
1 - تعيين مصادر الاجتهاد وتحديد حجّيتها ، وبيان تقسيماتها وأصنافها ، وتمييز الفرعي منها عن الأصلي .
2 - دراسة قواعد فهم النصوص وكيفية الاستدلال بها .
3 - طرح الحلول لظاهرة التعارض بين الآيات والروايات .
4 - تحديد الوظيفة العملية عند فقدان النصّ الشرعي على الحكم .
ويظهر ممّا تقدم : تأثير هذا العلم على الاستنباط تأثيراً مباشراً وعميقاً ، كما أنَّ الاستنباط بدوره أثّر في علم الأصول بشكل كبير ، من جهة أنّه يكشف للأصولي أهمية القاعدة وفاعليتها ، وأحياناً خطأها ، لذلك فالاستنباط يمكن أن يعدَّ محك قواعد علم الأصول .
فضلًا عن إلى أنَّ الاستنباط يمنح علم الأصول سياقاً عملياً للتبلور ، فمن خلال عملية الاستنباط يكتشف الفقيه ضرورة التقعيد والتنظير في مجالٍ يفتقد إلى هذا الجانب . وهذا معناه أنَّ الاستنباط يوسّع من دائرة نشاط وفاعلية هذا العلم . وعليه ، فهناك علاقة متبادلة بين هذا العلم ( الأصول ) ومحلّ استخدامه وتطبيق قواعده ( الاستنباط ) ، ويبدو أنّ كلّاً ينفعل ويتطوّر في إطار هذه العلاقة .