فيكون الواجب الواقعي في حق من قامت عنده الأمارة الدالة على وجوب صلاة الجمعة أحد أمرين على سبيل التخيير : إمّا صلاة الظهر ، أو سلوك الأمارة المزبورة ، فلا يكون الحكم الواقعي مشتركاً بين العالم والجاهل بنحوٍ واحد ، بل في حق العالم تعييني ، وفي حق الجاهل تخييري . وهذا نوع من التصويب ، يدل على بطلانه الإجماع والروايات الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل « 1 » .
الفرع الثاني : ما كان بنحو الطريقيّة ، أي أنّه ليس في حجّية الأمارة إلّامصلحة الإيصال إلى الواقع ، فقد أجيب عنه :
أولًا : إنّ تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة ، ليس من العناوين القبيحة بالذات بنحو العلّة التامة للقبح كالظلم ، بل هي تقتضي ذلك إذا لم يكن هناك ما يمنع من ذلك ، فهي كالكذب الذي يزول قبحه بمجرد طرو المصلحة عليه « 2 » ، وإنّما يكون العمل بالحكم الظاهري في حال الانفتاح من هذا القبيل ؛ لأنّ إلزام المكلّفين بتحصيل العلم يوجب حرجاً على نوع المكلّفين ، وهو منافٍ للشريعة السمحة وسهولتها ، فلو قدّم الشارع الحكيم مصلحة التسهيل على مصلحة الواقع الفائتة عند مخالفة الأمارة له لم يكن ذلك قبيحاً ، وكم للشارع من أحكام مجعولة لغرض التسهيل على النوع مع اقتضاء المصلحة الواقعية خلافها « 3 » .
وثانياً : « إنّ غالب الأمارات بل جميعها طرق عقلائية لا تأسيسية من قبل الشارع ، ومن الواضح أنّ ردع العقلاء عمّا استقر بناؤهم عليه في أمور معاشهم يحتاج إلى مصلحة ملزمة ، كمصلحة ترك العمل بالقياس الذي يغلب فيه عدم المطابقة للواقع ، ولذا ورد النهي عن العمل به ، وأمّا لو لم تكن مصلحة ملزمة في الردع ، كما إذا كانت مخالفة الأمارة للواقع قليلة في جنب مصلحة التسهيل ، فلا وجه للردع أصلًا » « 4 » .
وثالثاً : « إنّ الالتزام بامتناع التعبّد بالأمارة في فرض انفتاح باب العلم ممّا لا يترتب عليه أثر عملي ؛ إذ الانفتاح مجرد فرض لا واقع له حتى في زمان حضور المعصوم عليه السلام ، فإنّ العلم بالواقع في جميع الأحكام - ولا سيما في الشبهات الموضوعية - ممتنع عادةً حتى لأصحاب الإمام عليه السلام ؛ إذ لا يمكن الرجوع إلى نفس المعصوم في كلّ مسألة وكلّ شبهة حكمية وموضوعية في كلّ وقت وساعة كما هو واضح .
فتحصّل أنّه لا مانع من التعبّد بالأمارة من ناحية الملاك أيضاً » « 5 » .
وأمّا الشبهة الأخيرة ، وهي شبهة عدم تنجّز الواقع بقيام الأصل والأمارة ، فقد أجيب عنها بعدم المنافاة بين تصحيح العقاب على التكليف الواقعي الذي أخبر عنه الثقة بلحاظ حجّية خبره ، وبين قاعدة قبح العقاب بلا بيان ؛ لأنّ المولى حينما يجعل خبر الثقة حجّة يعطيه صفة العلم والكاشفية اعتباراً على مسلك الطريقيّة ، فيخرج التكليف الواقعي عن دائرة قبح العقاب بلا بيان ؛ لأنّه يصبح معلوماً بالتعبّد « 6 » .
هامش
( 1 ) . مصباح الأصول 2 : 97 .
( 2 ) . نهاية الدراية 3 : 129 - 131 .
( 3 ) . مصباح الأصول 2 : 98 .
( 4 ) . المصدر السابق بتصرّف .
( 5 ) . المصدر نفسه بتصرّف .
( 6 ) . دروس في علم الأصول 2 : 32 ويمكن استفادة هذا الجواب ممّا جاء في أجود التقريرات 3 : 24 .