في تقسيم القرار : الأمور ثلاثة : أمر تبيّن لك رشده فاتّبعه ، وأمر تبيّن لك غيّه فاجتنبه ، وأمر اختلف فيه فردّه إلى الله عزّ وجلّ « 1 » .
فالطريق الواضح السالك المأمون لا يمكن التردد فيه ، أو التنكّب عنه ، وهذا الطريق المسنون يؤدّي إلى السلامة ، وعليه يعوّل في كلّ قرار أو مسير . وعندما تغلق الشريعة والمصالح العامة طريقاً أو زقاقاً لا يمكن للعاقل أن يسلكه ، فاتخاذ قرار مخالف للنهي هنا يعني السير بطريق الانتحار والهلاك السياسي .
وعند نشوب الفتنة والاضطراب واختلاط الأمور يتعيّن هنا الرجوع إلى الولاية الدينية والقوى الربّانية ، فلا يدري ما يعمل هنا ، وإلى أيّ جهة يتوجّه ، فالحجّة الدينية التي وضعها الله لعباده هي المرادة بالردّ إلى الله .
فغاية القائد تصويب قراره ، وعند تعذّر الرؤية واختلاط الأمور تكون هذه القرارات مرتبكة ، فلابدّ من استشارة ووقوف في محطة سماوية وضعها الله تعالى لعباده ، والمتمثّلة هنا في المرجعية الدينية أو المدرسة الدينية التي تمتلك صلاحية الفتوى والإرشاد والتوجيه .
النظرية السياسية في خطب عليّ ( ع ) ووصاياه
عندما نراجع الأوراق المكتوبة في نهج البلاغة أو غيره من خطب عليّ ( ع ) ومقولاته تظهر لنا الأفكار والنظريات السياسية التي تتراءى من بعيد بعد أن نعيد قراءتها قراءة جديدة واعية ، فقوله ( ع ) : فإنّ حقّاً على الوالي ألّا يغيّره على رعيّته فضل ناله ، ولا طول خصّ به وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه دنوّاً من عباده وعطفاً على إخوانه « 2 » .
يطرح هنا حقيقة سياسية تتلخّص في أمر واحد : هو أن الحاكم ينبغي أن يكون مخلصاً لشعبه قائماً بخدمته من غير منّة أو تفضّل على الرعية .
فالقائد الذي أراده علي ( ع ) ينبغي أن يكون عطوفاً رؤوفاً متفانياً ، ناسياً لذاته
هامش
( 1 ) أمالي الشيخ الصدوق 251 ح 11 ، بحار الأنوار 258 : 2 .
( 2 ) نهج البلاغة ص 424 كتاب رقم 5 .