بالكم ؟ ما دواؤكم ؟ ما طبّكم ؟ القوم رجال أمثالكم . أقولا بغير علم وغفلة من غير ورع وطمعاً في غير حق « 1 » !
وكلّ هذه الخلاصات والمواقف والآراء تكوّنت لدى علي ( ع ) بعد ملاحظة وتجربة ومعاناة وتأمّل دقيق وتحليل سياسي واجتماعي تكوّن لديه ، زد على ذلك أنّ علياًّ ( ع ) استخدم أسلوب التصنيف العلمي الذي تقوم به الدراسات العلمية الحديثة ، فتراه يتحدّث عن أصناف البشر من خلال رؤية اجتماعية وسياسية ثاقبة فيقول :
والناس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلّا مهانة نفسه ، وكلالة حدّه « 2 » ، ونضيض وفره « 3 » ومنهم المصلت لسيفه ، والمعلن بشرّه .
والمجلب بخيله ورجله « 4 » قد أشرط نفسه ، وأوبق دينه لحطام ينتهزه ، أو مقنب « 5 » يقوده ، أو منبر يفرعه « 6 » ، ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً وممّالك عند الله عوضاً ! ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتّخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية . ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه ، فقصرته الحال على حاله فتحلّى باسم القناعة ، وتلبّس بلباس أهل الزهادة ، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى « 7 » .
وبقي رجال غضَّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ص 72 خطبة 29 .
( 2 ) أي ضعف سيفه وسطوته من قولهم : كلّ السيف والبصر وغيره يكلّ كلا وكلالة وكلولا : لم يقطع . ينظر ترتيب جمهرة اللغة 242 : 3 ( كلل ) .
( 3 ) الوفر : المال الكثير ، والنضيض : الشيء اليسير القليل . اللسان ( وفر ) و ( نضض ) .
( 4 ) الرجل : اسم جمع للراجل ، والراجل خلاف الفارس ، والمجلب من الجلب : وهو صياح الناس وجلبتهم . اللسان ( رجل ) و ( جلب ) .
( 5 ) المقنب : جماعة الخيل والفرسان ، ما بين الثلاثين إلى الأربعين ، وقيل : زهاء ثلاثمائة ، وقيل : هي دون المائة . اللسان ( قنب ) .
( 6 ) الفروع : الصعود ، فرعت رأس الجبل : علوته ، وفرع رأسه بالعصا والسيف فرعاً : علاه وفرعت قومي ، أي علوتهم بالشرف أو الجمال . اللسان ( فرع ) .
( 7 ) المراح : الموضع الذي يروح منه القوم أو يروحون إليه كالمغدى من الغداة . والرواح : نقيض الصباح ، وقيل الرواح : العشي . وقيل : الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل . اللسان ( روح ) .