رأيت 2 الشّيخ في النّوم وهو يأمرني بقول الشّعر ، فقلت له : ضع لي مثالًا أعمل عليه ، فقال :
جُب الفَلا مُدمناً إن فاتك الظّفرُ * وخُدَّ خدّ الثّرى واللّيل معتكر « 1 »
فقلت أنا :
فالعزّ في صهوات الخيل مركبه * والمجد ينتجه الإسراء « 2 » والسّهر
فقال لي : أحسنت ، هكذا فقل ، فاستيقظت فأتممت عليها نحو العشرين بيتاً .
وحدّثنيعزّ الدّين أبو الحسن قال : كتب أخي أبو السعادات إلى صديق له في صدر كتابٍ ، والشّعر له :
وإنّي لمهدٍ عن حنين مبرّحٍ « 3 » * إليك على الأقصى من الدّار والأدنى
وإن كانت الأشواق تزداد كلّما * تناقص بعد الدّار واقترب المغنى
سلاماً كنشر الرّوض باكره الحيا * وهبّت عليه نسمةُ السّحر الأعلى « 4 »
فجاء بمسكيّ الهوا متحلّياً * ببعض سجايا ذلك المجلس الأسمى « 5 »
وأنشدني عزّ الدّين ، قال : أنشدني أخي مجد الدّين أبو السّعادات لنفسه :
عليك سلامٌ فاح من نشر طيبه * نسيمٌ تولّى بثّه الرّند والبانُ « 6 »
وجاز على أطلال ميٍّ عشيّةً * وجاد عليه مغدق الوبل هتّان « 7 »
فحمَّلته شوقاً حوته ضمائري * تميد له أعلام رضوى « 8 » ولبنان
هامش
( 1 ) . جبّ الفلا : قطع الصحراء ، ومدمناً : دائباً غير متوانٍ ، وخدّ خدّ الثرى : شقّ الأرض شقّاً بسيرك المتواصل ، والليل معتكر : مختلط الظلام ، كأنّه كرَّ بعضه على بعض .
( 2 ) . صهوات الخيل : مواضع قعود الفوارس منها ، جمع صهوة ، والإسراء : السير ليلًا .
( 3 ) . حنين مبرّح : شوق مجهد مضنٍ ، والأدنى : القريب .
( 4 ) . باكره . . . الخ : بادره المعطر الخفيف ، ونسمة السحر الأعلى : نسيم أول السحر .
( 5 ) . أيّ المجلس الأعلى ، يريد به صديقه .
( 6 ) . الرند : شجر طيّب الرائحة من شجر البادية ، ويطلق على العود والآس ، والبان : شجر لحب ثمره دهن طيّب الرائحة .
( 7 ) . الأطلال : ما بقي من آثار الديار ، ومي : اسم عتيقته ، ومغدق الوبل : ساح المطر ، والهتّان : الخزير النصب .
( 8 ) . رضوى : جبل بالمدينة .