ما قدرنا عليه ، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب » .
والشافعي ( رض ) كان يقول : « إذا صحّ الحديث فهو مذهبي » ، وقال يوماً للمزني :
« يا إبراهيم ، لا تقلّدني في كلّ ما أقول ، وانظر في ذلك لنفسك ، فإنّه دين » .
وكان الإمام أحمد ( رض ) يقول : « ليس لأحد مع اللَّه ورسوله كلام » ، وقال يوماً لرجل : « لا تقلّدني ولا تقلّد مالكاً ، ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم ، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنّة » « 1 » .
ولقد كانت سيرة سلفنا هؤلاء في ثقة بعضهم ببعض ، وعذر بعضهم لبعض ، آية من آيات اللَّه في الإخلاص وحسن النيّة ، والاحتفاظ بما ينبغي أن يكون بين أهل العلم والدين من أخوّة ، فكان بعضهم يصلّي خلف بعض ، مثلما كان أبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي وغيرهم رضي اللَّه عنهم يصلّون خلف أئمة المدينة ، وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سرّاً ولا جهراً ، وصلّى الرشيد إماماً وقد احتجم ، فصلّى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد . وكان افتاء الإمام مالك بأنّه لا وضوء عليه . وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة ، فقيل له : فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضّأ ، هل تصلّي خلفه ؟ فقال : كيف لا أصلّي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب ؟ وصلّى الشافعي رحمه الله الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله ، فلم يقنت تأدّباً معه « 2 » .
* * * أمّا الشيعة - إمامية وزيدية - فيرون بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً إلى يوم الدين ، ولايتّبعون في عباداتهم ومعاملاتهم وسائر أحكام دينهم إلّاما فهموه من الكتاب والسنّة ، وما يأخذونه من أئمتهم ( ع ) لا يأخذونه بحكم الاتّباع والتقليد ، ولكن على أنّه رواية صحيحة صادقة لا شكّ فيها عن النبي ، وإذا كان ذلك هو مذهبهم ، الذي
هامش
( 1 ) . حجّة اللَّه البالغة للدهلوي 1 : 158 - 159 .
( 2 ) . المصدر السابق : 159