الفصل الثالث : ليكن شعارنا المدرسة بجانب المسجد
إنّ علاقة الدين بالمجتمع كثيراً ما تتعرّض لأزمات ، وتطرأ عليها تطوّرات .
فالمجتمع تارةً يكون متمسّكاً بدينه متحمّساً له ، وكان الدين عنده كلّ شيء ، وتارة أخرى يقع - نفس المجتمع - في فوضى خلقية ، وكأن لم يكن بينه وبين الدين صلة ، حتّى أنّه ليسخر من معتقداته السابقة ، ويعتبر المادة كلّ شيء ولا شيء سواها .
إنّ الدين في الغالب يظهر في أحلك الأوقات وأشدّها حيرة ، فعندما تتحكّم الفوضى ، وتسود المادية ، وتنبذ الفضائل ويتنكّر للمثل ، يظهر الدين فيجمع نفراً على عقيدة ، ويوحّد كلمتهم ، ويوجّههم إلى الفضيلة وإلى الخلق وإلى المثل ، ويتّخذ من مساوئالمجتمع أدلّة على الحاجة إلى الأخذ بتعاليمه ، ويحرص في كلّ ما يأتي به على توجيه معتنقيه إلى قوة فوق البشر ، تجزي الخير بالخير والشرّ بالشرّ .
فإذا خرج بأتباعه من الحيرة والفوضى ، ونظّم الصلات بينهم على أُسس من الفضيلة ، كان من الطبيعي أن يتكوّن منهم مجتمع سليم يتمتّع بقوة روحية وأدبية ، وفي مثل هذا المجتمع تهدأ النفوس وتنصقل العقول ، وهدوء النفس وانصقال العقل يمهّدان السبيل للمعرفة ، بل أنّ الدين نفسه يوحي بالمعرفة ويغري بها . والدليل على ذلك أنّ روّاد العلوم كانوا غالباً من رجال الدين .
والدين أول ظهوره فكرة تقدّمية ، تلاقي - لمدة من الزمن - معارضة عنيفة من