هيئة هذه الأم الثانية ملء عينيه .
ذكرها على لسانه ، وكيانها بعض كيانه ، وحبّها في وجدانه ، وحنانها توأم حنانه ، أشبه بإيثاره الصغيرة ، كانت هي أيضاً أثيرة .
وأولئك الذين عساهم حسبوا أنّ إحساسه نحوها إنّما كان نابعاً من عرفانه بالفضل ، وإقراره بالجميل ، قد أخطأوا في الواقع سواء التأويل .
فما قدّروه حقّ قدره ، لا هم أحسنوا سبر أغواره « 1 » ، ولا هم أدركوا حقيقة شعوره ، ولا هم خلصوا إلى صفاء روحه ، قصارى ما بلغه تفكيرهم أنّه كان يوفيها الجزاء الأوفى ، أخذ منها فكان لابدّ أن يعطي ، وكيل له فكان عليه أن يكيل .
إنّهم ذكروا يد فاطمة بنت أسد عليه ، إذ احتضنته ورعته ، فظنّوه يردّ المنّة بالمنّة ، ويطلق اسمها على الابنة .
إنّهم علموا يد عمّه أبي طالب عنده ، إذ كفله وربّاه ، فظنّوه لقاء هذه اليد قد كفل له ابنه علياً وربّاه .
الأمر في نظرتهم دَيْن وأداء ، درهم بدرهم ، مثقال بمثقال .
ألا لو أنّهم فقهوا لما فاتهم أنّ العواطف الإنسانية الكريمة هي غير ما يظنّون ، وهي أسمى من كلّ ما يخامر أذهانهم من تقدير ، فهي لا تُشترى ولا تُباع ، لا تُثمَّن بثمنٍ كما يُثمَّن المتاع ، لا تُقاس ، كالقماش بالعروض والأطوال ، لا توزن بالصناج وزن الأثقال .
فليتهم استشفوا نفس محمد ! إذن لعرفوا معدن خلقه ، ولتبيّنوا أنّه فوق مثل هذا اللون من العرفان والوفاء ، فهو يحبّ حبّاً للحبّ ؛ فناءً في اللَّه ، وهو يعمل ولاءً للعمل ، عبادةً للَّه ، وهو يمارس مكارم الأخلاق كما يتنفّس الهواء .
هامش
( 1 ) . سبر أغواره : أي الغوص في أعماقه .