بل رأى نفر من الناس ، فيما كان من ائتلاف قريش على يديه - يوم الحجر - بعد اختلاف ، ومن اتّفاق بعد شقاق ، أثراً من يمن ضيفةٍ له نزلت عليه آنذاك ، وليدة جديدة بنيّة زادت في عدد الأسرة السعيدة .
في الحجرة الواسعة قبالة باب الدار ، التي كانت مخدع الزوجين الكريمين ، وضعتها الأم .
لَكَم فرحت بها خديجة ، فلعلّها قد هنّأها ، كما لم تُهنَّأ من قبل بمولودة ، أن رأت في محيّا الابنة الضاحي ، طلعة أبيها الحبيب .
وكم فرح محمد ، لعلّه قد هنّأه أن وقع في روعه تلك الساعة : أنّ صغيرته هذه ستكون أم عترته الأطهار .
إنّ العرب أُمة تطلق لفظة « الأبتر » على من لا ولد له من الذكور ، تكره أن تنجب الإناث ، تؤثر أن تزفّ البنت إلى القبر على أن تزفّها للعروس .
« وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ »
« 1 »
.
فإذا كان الزوجان الكريمان قد خامرهما الحنين إلى مولودٍ ذكرٍ بعد ثلاث بنات ، فذاك حنين طبيعي ، ولكنّه موقوت ، ما كان ليغيّر شيئاً من حبّهما الغامر لهذه الوافدة الذي ليس كمثله حبّ ، ومن إيمانهما الثابت بأنّ الخير كلّ الخير فيما شاءه اللَّه .
أَوَ ما طهّرهما اللَّه من رواسب الجاهلية ؟ أَوَ ما جنّبهما الخضوع لتقاليد مجتمعهما الضالّ ؟
وها هي هذه الابنة الأخيرة ، تأتي وفي ركابها البركة ، كما كان مولد أبيها من قبل ، بشيراً بنجاة قريش من حربٍ أهليةٍ ضروسٍ « 2 » ، كانت حريّة بأن تنشر الموت والخراب .
يُمن من يُمن ، نجم سعيد يلد ، يلده نجم سعيد .
هامش
( 1 ) . النحل : 58 - 59 .
( 2 ) . الضروس : الشديدة المهلكة .